وهنالك جرائد مصرية أخرى ألحت على الحكومة مرارا، وصاحت بوجوب
الشروع في تعميم التعليم الأولي والمسارعة إلى ذلك حتى تستطيع أن تخطو فيه
خطوات واسعة في القريب العاجل. انتهى نص الفقرات التسع مع تصحيح عبارات
قليلة صحفية من مقالة الأخبار، ويليها ما كتبه عبد الله أفندي أمين فيها وهو:
التعليم الأولي والإصلاح
نقد الفقرات 4 و5 و6 و7 و8 و9 و10 و11 و12
حاولت اللجنة في هذه الفقرات أن تقيم الأدلة على ما جاء في الفقرة الرابعة
منها من أن فشو الجهل بين جمهور الأمة يؤثر تأثيرا سيئا في حال البلاد، وأن
ضرره لا يقتصر على إضعاف الأفراد وتأخيرهم، بل يكون مانعا كبيرا وعائقا
جسيما في سبيل الرقي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويقضي على أعظم
ضروب الإصلاح في مهدها، فلا تثمر ثمرتها ما دام معظم من يشملهم لا يفهم
حقيقتها، ولا يدري كيف يستفيد منها.
ومراد اللجنة من هذا الكلام إقناع أولي الأمر بوجوب الإسراع في تعميم
التعليم الأولي فحسب، وهو مراد شريف جليل، غير أنه شغلها عما سواه، ففاتها
أن تقصير الأهالي في قيامهم بنصيبهم من إصلاح الحكومة الاقتصادي والاجتماعي
والسياسي لقصور مداركهم، ليس أكبر من تقصير الحكومة نفسها وهي رشيدة
عليمة وبينها وبين الشعب (هوة لا تعبر) (انظر 14 و15) في قيامها بنصيبها
وحدها من الإصلاح نفسه.
ولا شك أن قواعد الإصلاح وأصوله كلها ما كان منها من عمل الحكومة
وحدها، وما كان منها من عمل الشعب وحده، كسلسلة متصلة الحلقات يأخذ بعضها
بأطراف بعض ويقوي بعضها بعضا، فلو أن الحكومة كانت مثالا لشعبها فقامت
بنصيبها من الإصلاح لكان لهم فيها أسوة حسنة، ولغرس هذا النصيب في نفوسهم
سرورا عظيما به، وشوقا إلى القيام بنصيبهم من الإصلاح.
ولو أن الحكومة أكثرت من مستشفيات الأمراض ومستشفيات الأرماد المتنقلة
والثابتة، وأنشأت حمامات ومغاسل وأحواضا لخزن المياه وترويقها في القرى؛
لأقبل عامة الشعب على هذه المنشآت إقبالهم الآن وقبل الآن على ما أنشئ من
مستشفيات الرمد، وهو عظيم جدا، ولآثروها على طب الشعوذة والتجارب الأهلية
الناقصة الفاسدة، وعلى الاستحمام وغسل الثياب في مياه الترع والمصارف الراكدة،
وعلى شرب ماء النيل العكر، وأصلح ذلك من أجسامهم ونفوسهم وعقولهم أكبر
إصلاح؛ لما فيه من وسائل حفظ الصحة، ومن الانصراف عن العادات السيئة
والتجارب السخيفة والاعتقاد الفاسد فيها.
ولو أن الحكومة قدرت مثلا مكافأة لمن يبتدع مادة رخيصة جدا إذا مزجت
بالتراب جعلته صلبا صقيلا ترصف به الأرض وتيسر لها رصف الطرق الزراعية
الرئيسية، وغرست على جانبيها الأشجار الضخمة لدفعت عن الشعب عادية التراب
وما يحمل من جراثيم الأمراض المختلفة، وأظلته فدفعت عنه حرارة الشمس،
ولبعثت بذلك في نفوس الأهالي يقظة وانتباها لأمورهم في أشد الحاجة إليها،
انتباها لا يمكن أن يكون بالنصح والأوامر وحدها.
إن وسائل تربية الشعوب وتهذيبها كثيرة جدا، وكثير من هذه الوسائل من
عمل الحكومات، وهي أقدر على القيام بها من الأهالي وأولى بها منهم، غير أن
سكوت الحكومة وتراخيها وحاجة البلاد الظاهرة إلى العمل النافع فيها يدفع من لا
يقوى على الانتظار من أبناء الأمة العاملين المخلصين إلى القيام بما تحتاج إليه
البلاد غير ناظر ولا منتظر المسؤول عنها، وإن اعترضته في سبيلها العقبات من
قبل استعداد الأهالي وامتعاض الحكومات، وحسبنا دليلا على ذلك ما قام به مجلس
مديرية الجيزة المحترم من إنشائه مستوصفين متنقلين في أنحاء المديرية سنة
1911م أيام رئيسه المفطور على الإخلاص والصراحة والغيرة والحزم والعزم
والثقة بالنفس وحب الإصلاح حضرة صاحب العزة عبد الرحمن فهمي بك.
أنشأ المجلس المحترم حينئذ هذين المستوصفين المتنقلين؛ لما كان يتوقعه من