تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجندي المصري بالرغم من تدربه على النظام والترتيب، ووقوفه تمام الوقوف على

الطرق الصحية المتبعة في المعسكرات والثكنات لا يكاد يرجع إلى قريته إلا وهو

مندمج في غمار عشيرته من الفلاحين، فلا يمكن تمييزه منهم.

وختمت اللجنة قولها في هذا المقام بأن أوضحت أن أنجع وسيلة يرجى منها

إصلاح الحال لا تكون إلا بالبدء بتعليم الطفل، فإن الطفل المتعلم قد يصبح أستاذا

لوالديه غير المتعلمين، ويكون بمثابة النواة الأولى التي تنبت منها على مدى الأيام

عوامل رقي الفلاح.

12- وقد نشرت جريدة (الأخبار) بعددها الصادر في 28 أبريل سنة 917

مقالة بقلم صحفي مصري (علمونا القراءة أولا) ، وصف فيها الكاتب حال الفلاح

المصري وصفا ممتعا لا يخلو من المبالغة، وبين فيها أن مصر لا تحتاج إلى

جامعات جديدة، بل إلى نشر التعليم الأولي بين جمهور أهلها، قال ما نصه:

السواد الأعظم من الأمة المصرية من الفلاحين لابسي الجلاليب الزرقاء، وأكثر

هؤلاء - والحمد لله - لا يعرفون القراءة والكتابة، أما الأفراد القلائل المقيمون في

عواصم القطر، فلا يعتد بهم لقلة عددهم بالنسبة لمجموع الأمة، فإذا أراد واحد من

الفلاحين أن يكتب صكا أو جوابا لا يجد من يكتبه له، فيضطر أن يسافر من قرية

إلى أخرى حتى يعثر بشخص يعرف كيف يفك الخط، وكتابة مثل ذلك الشخص لا

يفك رموزها إلا عالم من علماء الآثار القديمة؛ كالعلامة شامبليون الذي تمكن من

قراءة الخط الهيروغليفي:

نحن المصريين لا نعرف من أصول الصحة شيئا، وكل من ذهب إلى إحدى

القرى أو العزب يشتم قبل أن يصل إليها ببضعة أميال الروائح الذكية (في أنوف

ساكنيها) ، المتصاعدة من أكوام السباخ القائمة كأهرام الجيزة صنع أجدادنا، وهي

تحيط بالقرية أو العزبة من كل جهاتها، ويرى مجاري جامع القرية ذات المنظر

الجميل تجري إلى الترعة التي يشرب منها أهل القرية بدون اشمئزاز، ويرى شكل

القرى الكئيب والمنازل المتلاصقة ذات الأبواب الضيقة والغرف التي ليس بها

منافذ، ويرى الفلاح نائما هو وأولاده بجانب جاموسته، لا فرق بين الجميع.

ومن المضحك المبكي أن اسم الدكتور عند الفلاحين كاسم عزرائيل عند

المتمدنين، فإذا أتى الدكتور إلى بلدة ترى المرضى اختفوا بأسرع من لمح البصر

إما أن يحملوا إلى جهة في الغيط بعيدة، أو يدفنوا في قش الأرز أو حطب القطن

المكوم على الأسطح، ولا يفهم الفلاح (طبعا) شيئا اسمه ميكروب أو عدوى.

ومع أنه لا شيء أكثر من الماء عند الفلاحين تجد أكثرهم قذرا وسخا، وكأنه يخشى

أن يخلع ملابسه فتحملها تلك المخلوقات الشريفة، وتهرب بها لكثرة ما يقلقها بهرشه

وكرشه، فهو دائما أبدا في قلبها.

ليس في الدنيا فلاح يحافظ على تقاليد الفلاحة القديمة من عهد قدماء

المصريين، أو من عهد أبينا آدم إلا الفلاح المصري، فلو بعث فلاح من أيام

الفراعنة لرأى أخاه فلاح اليوم لم يخن الأمانة ولم يمد يده إلى آلة من آلات الزراعة

التي سلمها إليه بتغيير أو تعديل، فالمحراث والشادوف والطنبور والنطالة الخوص،

كلها بحالتها العتيقة كما تركها له، ووجده أيضا لم يغير شيئا من طرق الزراعة

القديمة، فلم يتفنن أو يجتهد، ولم يحسن نوعا من أنواع المواشي أو المحاصيل،

ولا يزال طعمة التاجر والمرابي مهما سنت الحكومة من القوانين لحمايته.

فهل ينتظر من هذا الفلاح - وهو كل الأمة المصرية - أن يقبل على

الجامعات المصرية التي تدرس الفلسفة والتاريخ أو يقرأ الجرائد والمجلات العلمية،

أو يعلم ما تريد أن تعلمه إياه الحكومة بمنشوراتها ولوائحها؟ فإلى أي شيء تحتاج

الأمة المصرية إذن لترتقي وتعد في مصاف الأمم الحية؟ وما هو الدواء الذي

يشفيها من مرض الجهل، فتصبح أمة وكل فرد من أفرادها يعرف القراءة والكتابة

فتتفتح أذهانها وتعلم وترتقي؟

(أظن أن كل فاضل من القراء يفهم ذلك الدواء)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٩٥