الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخلال
الحسنة، ثم ذكر أن أوائلهم كانوا على ذلك حتى لبس عليهم الشيطان، فكان أول
تلبيسه أن صدهم عن العلم، وأراهم أن المقصود العمل، فلما انطفأ مصباح العلم
تخبطوا في الظلمات، فمنهم من غلا في ترك الدنيا وهي قوام مصالح الخلق،
ومنهم من أغري بتعذيب النفس بالجوع والعري والفقر الاختياري، ومنهم من
غلبت عليهم الخيالات، حتى قالوا بالحلول والاتحاد، وكانوا يعنون بالنظافة
والتنطع في الطهارة، وراجت عليهم لقلة العلم الأحاديث الموضوعة، وذكر بعد
هذا تصانيفهم وما فيها من الغلو في الدين والأحاديث الباطلة، ثم انتقل إلى بيان
ضروب التلبيس عليهم وما خالفوا فيه الشرع عن جهل أو تأول وأطال في ذلك،
وكتابه هذا جدير بأن يطبع.
ولشيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيمية فتوى في الصوفية والفقراء نشرناها
في ج10 م12 من المنار، ثم طبعناها في رسالة على حدتها لتعميم نفعها، وقد
ضعف فيها القول بنسبتهم إلى صوفة؛ لأنها قبيلة كانت في الجاهلية ولا وجود لها
في الإسلام ورجح نسبتهم إلى الصوف، وقال: إن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في
القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقال: إن أول ظهورهم كان في
البصرة؛ لأنه كان فيها من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف، ونحو ذلك مما لم
يكن في سائر الأمصار، ولهذا كان يقال: فقه كوفي وعبادة بصرية. وذكر بعض
أحوال الصوفية ووزنها بميزان الشرع وسيرة السلف الصالح كعادته، فبين الراجح
من الشائل فيها، وإن الناس فيهم بين ذام يرميهم بالابتداع والخروج عن السنة، وبين
غال يدعي أنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، وأن الصواب هو الوسط، وهو أنهم
كغيرهم من الطوائف مجتهدون، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق
بالخيرات بإذن الله، ولكن انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ثم بين أن
كلامه في صوفية الحقائق الأولين، وأنه حدث بعدهم صنفان وهم صوفية الأرزاق
الذين يقيمون في الخوانك ويأكلون فيها ما وقف على الصوفية، وصوفية الرسم
الذين همهم تقليدهم في اللباس والآداب الوضعية، ويسهل على السائل أن يراجع
هذه الفتوى ويقرأها، ويقرأ ما كتبه ابن خلدون في مقدمته إن لم يكن قرأه، فإن
أكثره صواب.
وإننا قد ذكرنا في تاريخ الأستاذ الإمام عيون ما ذكره هؤلاء المحققون في بيان
حقيقة الصوفية، وزدنا عليهم مسائل مهمة استنبطناها من كتبهم، ومن كتب التاريخ
أجملناها في ورقتين مثل أوراق المنار ملخصها أن الصوفية طائفة انقطعت إلى
الزهد في الدنيا والعمل للآخرة برياضة النفس وتربية الإرادة، والأخذ بالعزائم
ومحاسبة النفس وحسن النية والمبالغة في العبادة، وغايتهم الوصول إلى تجريد
التوحيد وكمال المعرفة بالله تعالى، ثم ادعى حالهم من ليس منهم غشا وتلبيسا،
ولبس لباسهم من تناقض حاله حالهم دعوى وتقليدا، وإن رياضة النفس وتزكيتها
تثمر للصادق فيها علما وعرفانا بسنن الله في الأرواح وأسرار قواها، وأحوالا
وأذواقا غريبة غير مألوفة ولا معروفة لغير أهلها (منها) التأثير بقوة الإرادة في
بعض أمور الكون كشفاء مريض، وتنفير من الشر وجذب إلى الخير، ويسمونه
التأثير بالإرادة أو الهمة، (ومنها) معرفة بعض الأمور من غير طريق الحس أو
الفكر، وهو مايسمونه الكشف، (ومنها) الغوص على دقائق أسرار الشريعة
وحكمها، وصفات النفوس البشرية وقواها وعللها إلخ، ومنها غير ذلك مما لا حاجة
إلى ذكره هنا.
وإن هذا التصوف برياضة النفس قد سبق المسلمين إليه قدماء الهنود والصينين
واليونان، وقد سرى إلى المسلمين كثير من بدع أولئك الأقوام وضلالاتهم وشعائرهم
وشاراتهم كالسبح والأعلام، حتى إنهم أخذوا عنهم فلسفة وحدة الوجود فصارت غاية
الطريق عندهم، وبث الباطنية في التصوف ضلالات أخرى شر أصولها التأويل