تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك الحلقات الواسعة من طلاب العلم ومن تلك المحافل والسمار التي كانت آهلة

بأهل الهيئة والوقار من العلماء والوجهاء من الطبقات المختلفة الذين كانت آراؤهم

تضطر الغرباء من حكامهم وغيرهم إلى احترامهم دع أهل البلد الذين هم كبراؤه،

وكذلك كان شأن شيوخ أهل بيتنا في القلمون، بل لم أر مجلس وقار في مكان ما

مثل المجالس التي كان يحضرها كبير أسرتنا السيد الشيخ أحمد عم والدي، فقد كان

أوجه الوجهاء من علماء طرابلس ورجال الحكومة وغيرهم يجلونه لما كان عليه من

الجد والوقار والتقوى حتى إنه لم يكن أحد يشذ في جلوسه ولا في ضحكه ومزاحه

في حضرته، بل يلزمون الاعتدال والأدب الشرعي، وقد اتهم رجل صالح من

طرابلس بفاحشة أو مقدماتها، وكان ممن يترددون على القلمون مع بعض العلماء

فلم يتجرأ بعدها أن يتراءى أمامه طول حياته، وماذا أقول عن صاحب تلك الشيبة

الرائعة الذي قال فيه نقاده المعاصرون الشيخ عبد الفتاح الزغبي نقيب أشراف

طرابلس وخطيب جامعها الكبير إلى اليوم: آخر من أدركنا من الصديقين عمي

الشيخ أحمد، وأنا لم أكن هنالك أستطيع تعمد النظر في وجه أحد متهم بالفسق ولا

السكوت على منكر منذ كنت غلاما أمرد، وقد شذ في حديثه معي تاجر في طرابلس

بقول لا يعد منكرا شرعا إذا حسنت فيه النية، فتركت الشراء منه والنظر إلى دكانه،

بل المرور أمامها ما دام فيها.

نعم إنني كنت أول من انتقد من المسلمين ما كان عند الوجهاء من التكلف في

اللقاء والسلام والقعود والقيام، وأول من ترك عادة الجلوس على الركب في بدء

الجلوس معهم، وإن فعل ذلك بعض كبار السن والقدر لأجلي، ولكنني أقول الآن:

إن مجالسهم كانت خيرا من مجالس أكثر أولادهم وأحفادهم الذين تركوا غير ذلك من

آدابهم العالية لا المتكلف منها فقط مفتونين بزخرف حرية الفسق الذي يخشى أن

يضيع عليهم دنياهم ودينهم، فيكونوا من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في

الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

أصيبت طرابلس بالعقم من العلماء والفضلاء والزعماء، فلا خلف فيها في

العلم والرشد للشيخ محمود نشابه والشيخ عبد الغني الرافعي والشيخ عبد الرزاق

الرافعي، والشيخ عبد الله الصفدي ودرويش أفندي الشنبور والمفتي مصطفى أفندي

كرامي الذين أدركناهم في شيخوختهم، ولا للشيخ حسين الجسر والشيخ عبد الله

البركة والشيخ نجيب الحامدي والشيخ خليل صادق الذين أدركناهم في كهولتهم.

وإنما بقي أفراد من الطبقة التي قبل طبقتنا أوسعهم علما وفهما وإفادة الشيخ

محمد إبراهيم الحسيني وقد جهلت مدينته قيمته فلا ينتفع به إلا أفراد قليلون من بقايا

الطلاب، ومنهم الشيخ محيي الدين الحفار والشيخ عبد اللطيف نشابه، وأفراد

آخرون من طبقتنا ورفاقنا في الطلب، وأكثر هؤلاء وأولئك قد تركوا الدرس

والتدريس، واجتنبوا الكتابة والتصنيف، ومنهم من يشتغل بأمر الدنيا من تجارة

وزراعة لكساد بضاعة العلم، ولم أر في هذه الزورة لطرابلس أحدا من رفاقي لا

يزال مغرما بالمطالعة والكتابة إلا الشيخ محمد رحيم والشيخ عبد المجيد أفندي

المغربي، وليس لأحد منهما ولي في عمله ولا ظهير.

وأما القلمون فلم يبق فيها أولو بقية يستفيد الناس منهم إلا عمي أبو عبد الرحمن

عاصم، فهو يقرأ دروسا في مسجدنا في بعض الأحيان لمن عساه يوجد فيه، ولكنه

في عامة أوقاته معتزل للناس، لا يكاد أحد يراه إلا في صلاة الجماعة، وقد

انقرض ثلثا أهل القرية وحال الباقين شر مما كانت عليه، وقد كنت قبل الهجرة إلى

مصر أقرأ لهم التفسير ونهاية المحتاج في فقه الشافعية والزواجر، وغير ذلك من

كتب التوحيد والمواعظ والرقائق، وبلغني أنه وجد فيهم رجل يتجرأ على المجاهرة

بالفواحش وارتكاب منكرات السلب والنهب، ويستعين على ذلك برشوة الحكام،

وأما طرابلس، فقد صار الكثيرون فيها يجاهرون بذلك، ومنهم من يدعو الأجانب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٧٣