علم اليقين أن كل هذه المفاسد الدينية والأدبية لم تتسرب إلى أفكار المتفرنجين منا
إلا من الطامعين في تقطيع روابطنا الملية، وإضعاف مقوماتنا الاجتماعية، إذا كان
ما ذكر كما ذكر لا مرية فيه - فهل يبقى عند العالم به ريب بأن المجاهرين بهدم ركن
من أقوى أركان دينهم، والمحتقرين لشعيرة من أعظم شعائره هم من أكبر الجناة
على أمتهم والمفسدين المحققين لطمع الطامعين فيها؟ فكيف إذا كانوا مع ذلك
هادمين لسائر الأركان، ويتركون الصلاة والزكاة كما يتركون الصيام؟
تنبهوا أيها الغافلون وأفيقوا أيها النائمون، ولا تغشوا أنفسكم بأنكم تستغنون
عن الرابطة الملية، بالرابطة الوطنية، وتستبدلون الآداب الفلسفية بالآداب الدينية
على أن الدين لا يمنعكم من الاتحاد الوطني على المصالح والمنافع الوطنية، ولا
من اقتباس الحكمة والعلوم العقلية، ولا شيء من هذه المصالح والعلوم يمانع من
عبادة الله تعالى وإقامة شعائر دينه، وترك ما حرمه من الفواحش والمنكرات،
كالسكر والزنا والقمار، وهي الموبقات التي قلما يسلم من شرورها أحد من هؤلاء
المتفرنجين المدعين للفلسفة الوطنية، وهي الوباء القاتل للوطن، والمذهب للدين
والشرف.
أيها الغافل عن نفسه وعن أهله وقومه، حاسب نفسك حساب القاضي الذكي
العادل للمتهم المحتال المخادع، تظهر لك جناياتها عليك وعلى أهلك وقومك بترك
أركان الدين وفرائضه، ثم اجتهد في جعلها صالحة مصلحة، وقدوة حسنة في الدار
وفي مكان العمل وكل مكان، فإن غلبتك شهواتك فاجتهد في كتمانها قبل أن تظفر
بها؛ بأن لا تظهر الفطر في رمضان لأحد، ولا تخدعنك وسوسة شياطين الإنس أو
الجن بتسمية شدة الوقاحة قوة إرادة، فإن كنت مرتدا عن هذا الدين فقوة الإرادة
الحقيقية أن تصرح بهذه الردة وتلتزم ما بترتب عليها من أحكام الزواج والإرث
وغير ذلك.
إن الأمم الحية تعظم كل ما ينسب إليها، حتى إنها تبذل الأرواح في الحرب
تكريما لعلمها الممثل لها، وما هو إلا قطعة من نسيج لا قيمة لها تذكر، فما بالك
أيها الغافل تحتقر أشرف ما تنتمي إليه وهو الدين بهتك حرمة رمضان في المطاعم،
أو التدخين في الشوارع؟ ولا شك أنه سبب ذلك الغفلة والذهول، فمتى تنبهت،
تبت وأنبت، والسلام على من اتبع الهدى، ورجح الحق على الهوى.
-----------------
<span class="footnote">
(1) طبع هذا المقال جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في رسالة خاصة لتوزيعه على المسلمين في شهر رمضان.
(*) (البقرة: 183) .
(2) رواه ابن ماجه في سننه بسند صحيح.
(3) الدهاق (ككتاب) الملأى والذواق (كسحاب) ما يذاق من طعام وشراب، وهما مصدران في الأصل، والمراد بأنواع الذواق ما يضعه الموسرون على الموائد في رمضان لأجل الأفطار به من التمر والزبيب والمربى والجبن والزيتون، ويعتبر فيه القلة.
(4) كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا إذا أفطر، رواه أبو داود في سننه.</span></span>
الكاتب: محمد عبد العزيز الخولي
-----------------
<span class="footnote">