تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكيما، وربا رؤوفا رحيما، وإن من حكمته الجزاء على الأعمال النفسية والبدنية،

وإن جزاءه عدل وفضل، ويستحيل عليه الجور والظلم، وهم ينظرون ويتفكرون،

وإذا ظهر لهم الحق يقبلونه وله يذعنون، وأما أولئك المارقون المستهزئون من أهل

الرقاعة فلا يلتفت إليهم، ولا يبالي عاقل بأمرهم، إلا أن يشفق عليهم ويحزن لكونهم

من أمته أو أبناء جنسه.

8- إن الشبهة التي أشرنا إليها ليست واردة على بقاء دار العقاب التي تسمى

النار والجحيم والهاوية وجهنم وغير ذلك من الأسماء، فقد تبقى وينقلب عذابها عذبا

كما زعم الشيخ محيي الدين بن عربي وشيعته، أو لتعذيب خلق آخر من المكلفين

مثلا، ولا على أصل العقاب فيها، فطالما أقنعنا المنكرين لهذا بأنه حق وعدل،

وإنما يقول أصحابها وهم من المنتسبين إلى أديان مختلفة: إن المختبر لأحوال

البشر يعلم علما يقينيا أن أكثرهم ينشأ متدينا بالدين الذي نشأ عليه بين قومه وأهل

ملته تقليدا لهم وتسليما، ثم يعرض لبعضهم الشك والريبة في دينه وفي سائر

الأديان بالتبع، ويتفق لبعض آخر الاطلاع على دين آخر والاقتناع بحقيته فيتبعه،

ولكن يقل جدا أن يظهر لأحد حقية دين ويجحد به كبرا وعنادا، كما وقع لبعض

كبراء أقوام الرسل - عليهم السلام - في عصرهم، ثم إن المتدينين يعملون بما

يعلمون من أديانهم على تفاوت عظيم بينهم في العمل، سببه تأثير التربية والقدوة،

وطريقة التعليم له، ويعلم أيضا أن بعض المرتدين عن أديانهم بشبهات نظرية أو

علمية يؤمنون بالله ولا يشركون به شيئا، وأن بعض المتدينين بالأديان الكتابية

كغيرها يشركون بعبادة الله تعالى أشياء كثيرة من الأحياء والأموات، كما أن بعض

المرتدين أحسن من بعض المتدينين أخلاقا وأعمالا، وأنفع منهم للناس وللأوطان،

ويقولون: إننا مع هذه الحال نرى أهل كل دين يقولون: إن الموافقين لهم في دينهم؛

لأنهم ولدوا فيهم وتربوا بينهم - هم وحدهم أصحاب النعيم المؤبد الذي لا نهاية له،

وأن جميع المخالفين لهم سيكونون في عذاب أليم مؤبد لا نهاية له، سواء عرفوا

حقيقة دينهم أو جهلوها، بل يعلم أكثر أهل البصيرة والاختبار أن أكثر المخالفين

لهم لا يعرفون حقيقة دينهم، وأن من يعرف شيئا منه يقل من يعرفه على وجهه

عندهم، وأن ليس كل من يعلم شيئا منه على حقيقته يقوم عنده الدليل على صحته،

ونتيجة ما تقدم أن أكثر أفراد البشر مقلدون في دينهم لمن تربوا معهم وتعلموا منهم،

وأن غير الأكثر أهل نظر واستدلال يرجحون ما ثبت عندهم بحسب درجات

نظرهم واستدلالهم على غيره في العقائد والأعمال، فالذي أصاب الحق من المقلدين

لا فضل له في إصابته؛ إذ لا عمل له فيه ولا اجتهاد، والمقلدون في هذه الأعصار

إنما يتبعون جمهورا مقلدا، فلا يكاد يتفق لأحد منهم أن يصيب الحق في جميع

المسائل، وإذا كان التقليد حجة لصاحبه فيما وافق الصواب، وعذرا فيما خالفه كما

يقول أكثر أهل كل ملة في أنفسهم، فلماذا كان ذلك خاصا بهم، والله رب الجميع

وهو الحكم العدل.

ثم إنهم يقولون لأهل كل دين: أنتم قد تفرقتم في دينكم وكنتم شيعا تحكم كل

شيعة على الأخرى بالكفر أو الابتداع والضلال، فإذا كان الواجب على جميع البشر

أن يتبعوكم، وكان كل من لا يدين بدينكم خالدا في العذاب بالمعنى الذي تقولون،

فأي مذاهب الشيع يجب عليهم الأخذ به لينجوا من الهلاك الأبدي؟ إن قصارى قول

كل شيعة، بل كل فرد منكم أن من يدين الله بدينه ويموت على عقيدته هو الناجي

المثاب بالنعيم الأبدي، وإن عاش العمر الطويل قبله على غير ذلك، وإن كل من

مات على غير عقيدته يخلد في العذاب الأليم الأبدي، وإن عاش العمر الطويل قبله

على الإيمان بالله وحده وبالبعث والحساب وعمل البر والإحسان بتعاليم دين آخر أو

باجتهاده.

فمورد الشبهة بعد هذا البيان أن أكثر أفراد هذا الإنسان الذي خلقه الله في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٤٩