تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

***

وجاء في جريدة الفيجارو في 18 مايو سنة 1919

الإرث العثماني

بعد انكسار ألمانية العسكري وانهزام دولتي تركية والنمسة والمجر أصبحت

هاتان الدولتان الأخيرتان مزعزعتي الأركان، وتولد عن ذلك مسألة من أصعب

المسائل وأعقدها، ألا وهي تسوية الإرث العثماني.

إن سقوط الدولتين المذكورتين أنقذ الشعوب التي ليس لها رغبة، ولم يعد لها

صبر على احتمال نير الحكم الاستبدادي الذي رزحت تحته أجيالا طويلة.

فالذين تؤول إليهم تركة تركية هم أولا اليونان الذين بعد أن تخلصوا من ذاك

الملك الخائن انضموا إلى قضية الحلفاء، ثم الأرمن الذين بسبب السياسة الخرقاء

الموعز بها من عمال الألمان قاسوا أشد أنواع العذاب، وأوشكوا أن ينقرضوا،

ويليهم السوريون إلخ.

فاليونان القاطنون في تركية أوربة سينضمون إلى دولتهم التي ستتسع كثيرا

على أثر هذا الانضمام، كما أن ولاية أزمير، حيث يكون العنصر اليوناني، ستنضم

أيضا إلى دولة اليونان بناء على التوكيل المعطى هذه الدولة، وبحسب الشروط

المعينة لذلك.

وأما مشروع إنشاء أرمينية الكبرى مع ضم أطنة ومرسين إليها ليكون لها

منفذ على البحر المتوسط، فالمنظور أن أمريكة تكون الوصية على هذه البلاد كي

تساعدها على ارتقائها ونموها، كما أنها ستكون على الراجح هي الوصية على

الآستانة وعلى المضايق التابعة لها أيضا، فإذا قبل الرئيس ويلسون هذه الوكالة

باسم الشعب الأمريكي لا يكون قبوله نافذا ونهائيا، إلا بعد موافقة مجلس الشيوخ

الأمريكي عليه.

وفرنسة تكون الوصية على سورية بالنظر لعلاقتها القديمة بها، لكن لا بد أن

تكون هذه الوصاية شاملة للبلاد السورية بأكملها وليس على سورية مقسمة، ولا

ريب في أن المخابرات التي جرت في ذلك كان فيها بعض التراخي من قبل فرنسة،

لكن من الضروري أن تؤيد حقوقنا بكل حزم وعزم.

بلاد الأناضول ستعطى لإيطاليا مع ميناء أضاليا ثم إن فلسطين والعراق

يكونان تحت مراقبة إنجلترة.

هذا هو التقسييم الذي تم الاتفاق عليه بادئ بدء، وبقي في آسية الصغرى

جزء مأهول بسكان أتراك يحتوي على بروسة وأنقرة، وقد طلب من فرنسة حماية

هذا الجزء؛ لأن بروسة حيث يقيم السلطان تكون عاصمة المملكة العثمانية الجديدة،

ونتمنى أن لا يتبع الحلفاء سياسة التجزئة في آسية الصغرى، والذي نراه هو أن

تكون دولة تركية المقبلة تحت إشراف مستشارين أورباويين، وبمعاونتهم.

(المنار)

هذا نموذج مما كان ينشر في جرائد الحلفاء منذ عامين، بيانا للرأي العام في

بلادهم عقب الحرب التي كانوا فيها هم المنتصرين، وكان أكثر الناس من جميع

الأمم يظنون أن ما تقوله هذه الجرائد هو القول الفصل الذي لا مرد له؛ لأنه صدى

سياسة دولهم المنتصرة التي لها الدهر عبد والزمان غلام، وقد وضعوا المعاهدات

لجعل تلك الأماني حقوقا ثابتة، ولكن الزمان جاء بما لم يكن في حسبان أحد من

الخطوب والمشكلات، التي عجز جميع دهاة السياسة عن حل عقدة واحدة من عقدها

الكثيرة، وقد جف ريقهم من كثرة ما نفثوا فيها، ودميت أظافرهم من تكرار

محاولتهم لها، فكان ذلك حجة بالغة على جهل المغرورين بالقوة والعظمة الباطلة،

الذين يرتكسون في البأس عند سماع كل صيحة هائلة {فاعتبروا يا أولي

الأبصار} (الحشر: 2) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٤٥