تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مراتبها من القوة والضعف في أسانيدها كعادتنا، وما قاله في ضعف الأحاديث

يصدق على الكثير منها، ويختلف اصطلاحهم فيها، حتى إن الضعيف في مسند

الإمام أحمد أقوى من الضعيف في زوائده، دع الكتب التي يتساهل أصحابها في

التعديل كابن حبان والحاكم، ولذلك وافق الفقهاء على العمل بها في أحاديث الإرشاد

والفضائل بشروط بيناها في المنار من قبل، أهمها موافقتها للثابت المقرر في الدين،

وعدم اشتداد ضعفها، فإن منها ما سبب ضعفه مخالفة الراوي له لبعض الثقات أو

ضعف ضبطه ولو في آخر عمره، بل عد بعضهم كثيرا من رجال الصحيحين في

الضعفاء، مثال ذلك حديث: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه) في ص299

أخرجه النسائي وابن حبان عن أنس من طريق معاذ بن هشام، وقد عد بعضهم

معاذا في الضعفاء، وقال ابن معين فيه: صدوق ليس بحجة. على أنه قد روى

عنه الستة.

ومنها ما ضعفه شديد يقرب من الموضوع أو يدخل في بابه، وقد ذكرنا مثالا

له في الجزء الذي قبل هذا في سياق الكلام على التصوف. وتساهل بعض الفقهاء في

الأحاديث الواهية والموضوعة كحديث دعاء الوضوء، ومنه في هذا الفصل حديث

(عفوا تعف نساؤكم) إلخ نقله في الجامع الصغير عن الطبراني في الأوسط من

حديث عائشة بهذا اللفظ مع تتمة، وعلم عليه بالضعف، وعن الحاكم عن أبي هريرة

بلفظ: (عفوا عن نساء الناس) إلخ، فالأول الذي اختاره المؤلف في إسناده يزيد

بن خالد الغمي كذاب، قاله الشيخ محمد الحوت وعمدته شرح المناوي على الجامع

الصغير، وأسند هذا القول إلى الهيثمي، وليس لهذا الرجل ذكر في ميزان الاعتدال،

وقال في الحديث الآخر: صححه الحاكم. ورد عليه الذهبي فيه سويد عن قتادة

ضعيف، وقال المنذري: هو ابن عبد العزيز واه. انتهى ولعل الصواب أنه سويد

ابن إبراهيم الجحدري أبو حاتم الحناط، فإنه هو الذي قالوا: إنه يروي عن قتادة

فيخلط، ويأتي عنه بأحاديث لم يأت بها أحد غيره، وهو ضعيف. وبالغ ابن حبان

في جرحه فقال: إنه يروي الموضوعات على الثقات. وذكر المنذري أن الطبراني

رواه من حديث ابن عمر أيضا بإسناد حسن، فلهذه الروايات كان عنده مما يتأدب

به، ولذلك أورده في الترغيب والترهيب؛ لأن معناه صحيح موافق لأصول

الشريعة في التربية بالعمل، فلا تضره مثل هذه العلل.

ومثل ذلك ما كان في سنده انقطاع كحديث: (إن من أكمل المؤمنين إيمانا

أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله) وكذا ما كان في سنده مجهول كمحمد بن عاصم في

حديث: (من كان له صبي فليتصاب له) ، ولكن لا يحتج بمثلها في تشريع

جديد في الأحكام والحلال والحرام، ولا في أصول العقائد والإيمان وعالم الغيب،

ولا يعتد بشيء منها إذا خالف النصوص الصحيحة أو القواعد الثابتة في الشرع،

والأمور الثابتة في الوقائع أو بمقتضى البرهان العقلي أو الدليل العلمي القطعي،

فإن مخالفتها من علامات الوضع، وأكثر اعتماد المبتدعين على أمثال هذه

الروايات الشاذة أو المنكرة التي لا يثبت لها إسناد.

وفي هذه الأحاديث ما ليس في الجامع الصغير، ولم يعز إلى كتاب آخر

كحديث: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم) وحديث: (كان - صلى الله عليه وسلم

- في بيته ألين الناس وأكرم الناس ضحاكا بساما) ، ولا أذكر أني رأيت هذا

الحديث في الشمائل ولا غيرها، وفيه وصفه - صلى الله عليه وسلم - بالضحاك،

ولم يكن ضحاكا وإنما كان ضحكه تبسما، وحديث: (أيما امرأة قعدت على بيت

أولادها) إلخ، وحديث: (لا يعد الرجل صبيه) إلخ، وهو جزء من حديث رواه

ابن أبي الدنيا في الصمت، ولعله في الجامع، ولا أذكر أوله؛ لأراجعه فيه، وفيها

ما أورده بغير ألفاظه التي في الجامع الصغير كحديث: (إذا مات ابن آدم) إلخ،

عزاه في الجامع الصغير إلى البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن

الثلاثة عن أبي هريرة بلفظ: (إذا الإنسان) وليس في آخره كلمة بخير، وحديث:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٤٢