تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه وسلم توفي، وتوفي من بعده أبو بكر وعمر، وما كانت رباع مكة تدعى إلا

السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، وكانوا ينهون أن يكون لبيوتها

أبواب؛ لئلا يكون منعا من دخولها، وليس هذا الاقتراح بالذي يتسع لنقل الروايات

ومذاهب الأئمة فيها، وربما خصصنا له مقالا بعد.

وقد روي عنهم في تفسير الإلحاد والظلم في الحرم تشديد عظيم، فلم يخصوه

بارتكاب ما حرمه الله هنالك مما حرمه في غيره وما لم يحرمه إلا فيه، بل جعلوا

من معناه مضاعفة السيئات، وكون الصغيرة في غيره كبيرة فيه، حتى شتم الخادم،

وكذلك الهم بالسيئة والعزم عليها ولو قبل الوصول إلى مكة، وفي الحديث:

(احتكار الطعام بمكة إلحاد) ، وفي رواية: في الحرم، بدل مكة، وقال ابن عباس:

(تجارة الأمير بمكة إلحاد) .

قصر المسلمون فيما يجب عليهم للحجاز، فلم يقوموا به حق القيام، ولم

ينفذوا وصية الرسول الأخيرة فيه، وهو المقصود الأهم من وصيته في جزيرة

العرب، حتى زعم بعض العلماء أنه هو المراد بها، خلافا للمتبادر من لفظ الحديث،

ولا مراء في أن الحاجة إلى العناية به في هذا الزمان أشد من كل الأزمنة الماضية

من وجوه كثيرة - ليس هذا محل شرحها - فأكثر مسلمي هذا العصر تابعون

لحكومات غير إسلامية تهتم بحمايتهم وشؤونهم في سفرهم إلى الحجاز، فإذا وقع فيه

قتال، فإنها تمنعهم من أداء فريضة الحج في أثنائه، وإذا كان لحكومة الحجاز ما

لسائر الحكومات من حق قطع العلاقات الودية وإعلان الحرب على أي دولة يقع

بينها وبينها ما يقتضي ذلك، فإن هذا يبيح للدولة المحاربة لها الهجوم على الحرمين

والاستيلاء عليهما، أو حصرهما ومنع الأقوات وغيرها عنهما، كما أنه قد يدعو

الدول الأجنبية إلى منع رعاياها المسلمين من السفر إليه للحج، ولا سيما إذا كانت

معادية، وكل هذا ينافي مصلحة المسلمين العامة، وليس فيه منفعة دينية ولا دنيوية

ترجح على المفاسد الكثيرة التي اكتفينا بالإشارة إليها عن شرحها وتفصيل القول

فيها.

وإنما المصلحة الإسلامية العامة أن يكون الحرمان الشريفان وسياجهما

من البلاد قطرا حرا مسالما لجميع الأمم والدول؛ ليكون مصونا من الاعتداء عليه

وانتهاك حرمته، ويكون ركن الحج من أركان الإسلام قائما أبدا، بل ليتحقق وإنما

جعل الله تعالى إياه حرما آمنا، وكونه لجميع المسلمين سواء العاكف فيه والبادي، لا

تعدي فيه ولا إلحاد.

فنقترح على أهل الغيرة الإسلامية من مسلمي الحجاز وسائر الأقطار أن

يسعوا إلى هذه المصلحة سعيها، وهي تتوقف فيما نرى على وضع نظام لحكومة

الحجاز يبنى أساسه على جعل الحجاز قطرا سلميا على الحياد، لا تكون حكومته

خصما ولا عدوا لدولة من الدول، ولا حكومة من الحكومات، فلا تعتدي ولا يعتدى

عليها، ولا تخاف ولا يخاف منها، وأن تسعى هذه الحكومة بمساعدة أهل النفوذ من

مسلمي جميع الأقطار إلى حمل جميع الحكومات المجاورة لها وسائر الحكومات التي

لها رعايا مسلمون يركبون متون البحار ويشدون الرحال إلى الحرمين الشريفين

للنسك والعبادة فيهما، ونظن أن جميع الدول تجيب إلى هذا ولا تعارض فيه.

نعرض هذا الاقتراح مجملا على العالم الإسلامي، وفي مقدمته حكومة الحجاز

وأشراف الحرمين وعلمائه؛ لبيان الآراء التفصيلية فيه بنشرها في الصحف

الدورية، والمنار مستعد لنشر ما يأتيه فيه، وإن كان لا بد من التذكير ببعض

التفصيل فيه فليكن اقتراح إنشاء محكمة إسلامية بمكة، يكون لكل قطر إسلامي حق

تمثيله فيها بعضو من علماء الشرع المنتسبين إلى المذاهب الإسلامية التي يستقبل

المتبعون لها هذا البث في صلاتهم، ويحجونه لأجل محاكمة من يعتدي في تلك

البلاد على مال غيره أو بدنه، أو عرضه أو شرفه، ومنه الطعن في المذاهب،

فإن ضمان حرية كل منتم إلى مذهب من مذاهب المسلمين في تلك البلاد التي لهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٠٧