تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ملاحظة تلك الجملة يكون مفاد البيت أن ابن عم المرء بمنزلة جناحه، فلا يقدر أن

يقوم بأعباء الحياة أو يدرك فيها غاية شريفة إلا بمعاضدته، كما أن البازي لا

ينهض إلى الطيران إلا إذا ساعده جناحه، فالقصد تمثيل حاجة الإنسان إلى ابن

عمه بحاجة البازي إلى جناحه، وليس القصد الاستدلال حتى يلتحق ببيت أبي تمام

المسوق فيما سلف للاستشهاد على التخييل الذي يراد منه المخادعة، وقول الدماميني:

فلا تعجبوا يوما لكسر جفونها ... فإن إناء الخمر في الشرع يكسر

فالأسلوب في نفسه وارد في الغرضين، غير أن فحوى الكلام ومجرى

الخطاب وطبيعة المعنى تصرفك إلى التمثيل، أو تأخذ بك إلى الاستدلال والتعليل.

وقد يعمد إلى أمرين يعدهما الناس بشدة التباين وغاية الاختلاف، فيعقد بينهما

تشابها، وتجد هذا في قول المعري:

وشبيه صوت النعي إذا قيس ... بصوت البشير في كل ناد

أبكت تلكم الحمامة أم غنت ... على غصن دوحها المياد

فالمعهود أن النفس ترتاع لصوت النعي وتتفطر حزنا، وترتاح لصوت

البشير وتأنس له طربا، ولكن الحكيم يغوص في أعماق الحوادث، وينظر إلى ما

تصير إليه من العواقب، فيتراءى له أن ليس في الحياة ما يدعو إلى لذة أو يستثير

النفس إلى جزع، فتكون نغمة البشير وصيحة الناعي في أذنه سواء، ولا يرى

فارقا ما بين النواح والحداء.

(له بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: هذان البيتان من قصيدة للبارودي يعارض بها رائية أبي فراس المشهورة: أراك عصي الدمع شيمتك الصبر، وقد أشرنا إليها في ترجمته من مجلد المنار السابع وذكرت البيتين وعلقت عليهما بعبارة لا بأس بذكرها هنا؛ لأنها في الإشارة إلى ما فيهما من الخيال هي: ويا لله ما أرق حاشية قوله: لها في حواشي كل داجية فجر، وما أدق غزل خياله فيه، وأما البيت الثاني فإنه ليكاد يروع ببلاغته السامع حتى يخيل إليه أن الأفلاك تصدعت مما تفزعت فيلمس رأسه مخافة أن يصيبه كف منها ويتمثل له الدهر رجلا فجئه العجب، فالتفت إلى السبب، وليكاد يلفته ما يتخيل من التفات الدهر، ويلم به الدهش والذعر، أو يذهب به الوهم إلى أن التفات الدهر هو التفات أهله فيحسب كل فرد من الناس قد ألوى عنقه وشخص ببصره منتبها ينظر ما يكون من فعل ذلك السيف المستل، في يد ذلك البهمة الأمثل، وجملة ما يقال في البيتين: إن هذا لهو السحر الذي يأخذ المرء عن نفسه، ويحكم سلطان الخيال في عقله وحسه.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٠٥