.. وكذلك ننجي المؤمنين
[الأنبياء: 88]. وهكذا أسدى إلينا سيدنا يونس جميلا كبيرا، حين هداه الله إلى قوله:
.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]. واستجاب الله تعالى لدعائه، وأنجاه من الغم، وهو أعنف جنود الله لأن الشيء الذي يضايقك هو الذي لا تستطيع له دفعا. ولذلك يقال: إن العدو كلما لطف عنف لأن العدو إن كان ضخم الحجم، تكون الوقاية منه أسهل من العدو الصغير سريع الحركة، فإن كان العدو ضخما، فالإنسان يرى ضخامته من على البعد، فيجري منه الإنسان أو يختبىء، لكن إن كان العدو ثعبانا رفيعا - مثلا - فقد لا يراه الإنسان، وقد لا يستطيع الفرار منه، وإن كان ميكروبا أو فيروسا لا يرى بالعين المجردة فهو أعنف قدرة وقوة في مهاجمة الإنسان.
إذن: كل متعب في الدنيا من الممكن أن تحتاط منه إلا ما يتلصص عليك بدقة ولطف فإنك لا تعرف مدخله. ونحن نسمع أن فلانا قد أصيب بمرض ما، لأنه أخذ عدوى من فيروس ما، هذا الإنسان لا يعرف متى اخترق الفيروس جسده، لكنه فوجىء بأعراض المرض تظهر عليه بعد كمون الفيروس في جسده لأسبوعين، وهكذا نجد أن العدو كلما لطف عنف. والغم من أشد وأقسى أنواع البلاء، وكلنا نعرف قصة الإمام علي - كرم الله وجهه - وهو المشهور بالفتيا، وكان الناس يستفتونه فيما يعجزون عن العثور على حل له، واجتمع بعض من الناس وقالوا: نريد أن نجمع بعض الأشياء الصعبة ونسأله عنها لنختبره، فلما اجتمعوا قالوا لعلي كرم الله وجهه: نريد أن نستعرض كون الله تعالى، فقد جلسنا معا لنعرف أقوى ما خلق الله، واختلفنا فقال كل واحد اسم القوة على حسب ما يراها. لم يترو علي بن أبي طالب، ولم يقل كلاما مسرودا بحيث إن وقف، لا يطالبه أحد بزيادة، بل حدد من الجملة الأولى عدد القوى حسب ترتيبها وقوتها، حتى تطابق العدد على المعدود، وهذا دليل على أنه مستحضر للقضية استحضار الواثق. وفرد أصابع يديه وقال: أشد جنود الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفىء النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح تقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح، يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته، والسكر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله - سبحانه - الهم. هكذا قال سيدنا علي بن أبي طالب، فالهم والغم من أشد جنود الله تعالى، وكان سيدنا يونس عليه السلام سببا في أن قدم الله سبحانه لكل مؤمن به إلى أن تقوم الساعة منجى من الهم والغم بالدعاء الذي ألهمه ليونس عليه السلام في قوله تعالى:
.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين
[الأنبياء: 87-88]. وهكذا تعدت " النجاة من الغم " من الخصوصية إلى العمومية، وقد أخذها جعفر الصادق - رضي الله عنه - وجعل منها " تذكرة طبية " للمؤمن حتى يستقبل أحداث الحياة كلها، في كل جوانبها المفزعة لأن الإنسان يهدده الخوف مما يعلم. أما الهم فلا يعرف الإنسان فيه سبب الخطر، ولا يعلم الإنسان مكر الناس به لأن الإنسان لا يعلم ما بيتوا له. وشغل الإنسان بأمر الدنيا وأن يكون منعما ومرفها في كل أمور الحياة، يجعله عرضة للهموم.
وكان سيدنا جعفر الصادق له بصر وبصيرة بآيات القرآن ومتعلقاتها، فقال: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الحق سبحانه:
.. حسبنا الله ونعم الوكيل
[آل عمران: 173]. ولا يتعجب لمن يخيفه شيء إلا إذا كان عند المتعجب شيء يزيل الخوف. فمن عنده صداع يمكنه أن يعالجه بالأسبرين، أما الخوف فقد وصف سيدنا جعفر دواءه، بقول الله سبحانه:
.. حسبنا الله ونعم الوكيل
[آل عمران: 173]. فذلك هو الدرع من كل خوف. ويقدم جعفر الصادق لنا السبب فيقول: لأن الله سبحانه قال عقبها: