تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4]. أي: اطمئنوا إلى حكمه لأنه لا ينطق عن هوى فليس في نفسه ما يريد تحقيقه إلا دعوة الخلق إلى حسن عبادة الخالق سبحانه. وقد يقول قائل: ولكن الحق - عز وجل - عدل للرسول بعضا من الأحكام. ونقول: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد ببشريته فيما لم ينزل الله فيه حكما، وحين ينزل الله حكما، فهو صلى الله عليه وسلم ينزل على أمر الله تعالى، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه سلم يحكم حتى فيما اجتهد فيه عن هوى، بل حكم بما رآه عدلا، وحين ينزل الحق سبحانه وتعالى حكما مغايرا فهو يبلغ المسلمين ويعدل من الحكم.

إذن: فالتعديل للحكم هو قمة الأمانة مع البلاغة عن الله سبحانه وتعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل على الحكم في أمر لم ينزل فيه حكم من الله، فهو قد حكم بما عنده من الرأي، فيبلغ صلى الله عليه وسلم الحكم من الله، والذي عدل له ليس مساويا له بل هو خالقه. ثم إن الذي أخبرنا أن الله سبحانه قد عدل له هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يوجد من يضعف مركز كلمته، ويبلغ أن الحكم الذي صدر منه قد عدل له؟ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استقبل الوحي تحلى بأمانة البلاغ عن الله، وهو الذي نقل لنا عتاب ربه له. وهذه قمة الصدق في البلاغ عن الله، وكان اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم محصورا في الأمور التي لم يصدر فيها حكم من الله، وكان في ذلك أسوة حسنة لنا لنتجرأ ونجتهد.

" وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

والحق سبحانه وتعالى خير الحاكمين لأنه الشاهد الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولا هوى له، وهو الذي يصدر الحكم بمطلق عدله وبفضله، وهو القادر على إنفاذ ما يحكم به، ولا توجد قوة تجير عليه، ولا يوجد حاكم بقادر على كل هذا إلا الله سبحانه. وشاء الحق - عز وجل - أن يكرم المؤمنين الذين يحكمون بين الناس بأن جعل ذاته ضمنية بتفوق الخيرية على الحاكمين. وواقع الأمر أن هناك بشرا يحكمون غيرهم، ولكن الحق سبحانه حكم بأنه خيرهم، فمن الحاكمين من قد يدلس عليه غيره، ومن الممكن أن يدخل الهوى في أحكام هؤلاء الحاكمين، لكنه سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولا يمكن أن يدخل الهوى إلى حكمه، وأحكامه نافذة بطلاقة قدرته سبحانه لذلك فهو خير الحاكمين إطلاقا. وإذا سمعت جمعا يدخل الله ذاته مع خلقه فيه فاعلم أن ذلك إيذان بأن تأخذ من واقع ما تشهد حقيقة من لا تشهد فالحق سبحانه يقول:

.. فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنون: 14]. ويقول تعالى:

.. والله خير الرازقين

[الجمعة: 11]. ويقول تعالى:

.. رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين

[الأنبياء: 89]. ويقول تعالى:

أليس الله بأحكم الحاكمين

[التين: 8]. وكلما وجدت جمعا أدخل الله ذاته مع عباده ممن لهم هذا الوصف، فهذا يدلك على أن الموصوفين معه لهم تلك الصفات المذكورة، ولكنه سبحانه وتعالى أزلي مطلق الصفات، وهم أحداث وأغيار تنتابهم القوة والتغير والضعف. وتجد الله سبحانه وتعالى وهو يصف نفسه بأنه:

.. أحسن الخالقين

[المؤمنون: 14]. وكلنا نعلم أن الله سبحانه هو خالق كل شيء من عدم، ولكن هناك من الخلق من يخلق شيئا من موجود ولذلك فالله سبحانه وتعالى هو أحسن الخالقين. والحق سبحانه يصف نفسه بأنه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٥٥