إنمآ أنا بشر مثلكم..
[فصلت: 6]. ليؤكد صدق الأسوة لأنه صلى الله عليه وسلم لو لم يكن بشرا وطلب من الناس أن يفعلوا مثله لقالوا: لن نستطيع لأنك لست مثلنا. ولذلك نلحظ أن القرآن يؤكد على بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه صلى الله عليه وسلم يزيد عن البشر باصطفاء الله سبحانه له ليكون رسولا يوحى إليه، فمهمته الرسالية الأولى أن يبلغ هذا الوحي، والمهمة الثانية أن يؤكد بسلوكه أنه مقتنع بهذا الوحي ويطبقه على نفسه. ويقول الحق سبحانه وتعالى:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..
[الأحزاب: 21]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية الثراء أقل الناس مالا، وهو غير متكبر، ولا جبار، وهو كنموذج سلوكي تتوازن فيه وبه كل الفضائل فلم يطلب لنفسه شيئا، بل إنه منع أقاربه وأهله من حقوق أقرها لغيرهم من المسلمين، فأقاربه لم يعطهم الحق في أن يرثوا شيئا مما يملكه بعد وفاته وقد حرمهم ليكون كل عمل صادر منه صلى الله عليه وسلم أو ممن ينتسبون بالقرابة إليه هو عمل خالص لوجه الله تعالى.
وهذا السلوك هو عكس سلوك الرئاسات البشرية، أو السلطات الزمنية، فهذه الرئاسات أو تلك السلطات تفيض أول ما تفيض على نفسها بالخير، ثم تفيضه على الدوائر القريبة منها حسب أقطار القرب فالقريب جدا يأخذ أولا وكثيرا، ومن يبعد في القرابة يأخذ الأقل حسب درجة بعده. لكن الذي في دائرة القرابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ حتى ما يأخذه الفقير في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وكأن الله سبحانه وتعالى يدلنا بذلك على أنه من العيب أن يكون الإنسان منسوبا لآل بيت النبوة، ويكون موضعا لأخذ الزكاة. إذن: فالاتباع الذي أمر الله تعالى به، هو اتباع الوحي بلاغا، واتباع ما يوحى به تطبيقا، وسيتطلب هذا مواجهة متاعب كثيرة، وسيلقى عقبات من الجبابرة المنتفعين بالفساد في الأرض، فلا بد أن يصادموا هذه الدعوات ليحافظوا على سلطتهم الزمنية، فيأمر الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر، وفي الأمر بالصبر إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مقبل على عقبات فليعد نفسه لتحمل هذه العقبات بالصبر. وفي آية أخرى يأمره الحق سبحانه وتعالى أن يصبر ويصابر هو والمؤمنون.. يقول سبحانه:
اصبروا وصابروا ورابطوا..
[آل عمران: 200]. أي: إن صبرت، فقد يصبر خصمك أيضا، وهنا عليك أن تصابره، وكلمة " اصبر " توضح أن دعاة منهج الحق سبحانه لا بد أن يتعرضوا لمتاعب، وإلا ما كانت هناك ضرورة لأن يجيء، فلو كان العالم مستقيم الحركة، فما ضرورة المنهج إذن؟ ولكن المنهج قد جاء لأن الفساد قد عم الكون، ويحتاج إلى إصلاح، وإلى مواجهة المفسدين، وهذا ما يرهق الداعين إلى الله تعالى، وليوطن كل داعية نفسه على ذلك، ما دام قد قام ليدعو إلى منهج الحق سبحانه وتعالى. وكل داع إلى الله لا يصيبه أذى، فهذا ينقص من حظه في ميراث النبوة لأن الذي يأتي له الأذى هو الذي يأخذ حظا من ميراث النبوة، فالأذى لا يجيء إلا بمقدار خطورة الداعي إلى الله سبحانه على الفساد والمفسدين، وهم الذين يتجمعون ضده. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ".
إذن: فنحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد ورثنا منه البلاغ، وورثنا منه الأسوة الحسنة:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا
[الأحزاب: 21]. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ واتبع ما يوحى إليك.. ﴾ [يونس: 109]. هو دليل على أن الوحي بصدد الإنزال لأن الوحي لم ينزل بالقرآن دفعة واحدة، فقد كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته. وهكذا تكون حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مقام الاستقبال للوحي. وقول الحق سبحانه: ﴿ واصبر حتى يحكم الله.. ﴾ [يونس: 109]. يوضح لنا أنه سبحانه قد وضع حدا تؤمل فيه أن الأمر لن يظل صبرا، وأن القضية ستحسم من قريب بحكم من الله تعالى. وكلمة ﴿ يحكم ﴾ توضح أن هناك فريقين كل يدعي أنه على حق، ثم يأتي من يفصل في القضية، والحجة إما الإقرار أو الشهود، وبطبيعة الحال لن يقر الكفار بكفرهم، والشهود قد يكونون عدولا، أو يكونون ممن يدارون فسقهم في ظاهر العدالة. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الحاكم، فهو لا يحتاج إلى شهود لأنه خير الشاهدين، والله سبحانه لا يحكم فقط دون قدرة إنفاذ الحكم، لا بل هو يحكم وينفذ. إذن: فهو سبحانه قد شهد وحكم ونفذ، ولا توجد قوة تقف أمام قدرة الله تعالى، أو تقف أمام حكم الله عز وجل. ونحن في زماننا نرى القوى وهي تختلف، فنجد القوي من الدول وقد تسلط على الضعيف، فيلجأ الضعيف إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويصدر كل منهما قرارات، وحتى لو افترضنا عدالة الحكم، فأين قوة التنفيذ؟ إنها غير موجودة. ولكن قدرة الحق الأعلى سبحانه هي قدرة خير الحاكمين، لأنه هو سبحانه الذي يشهد، وهو سبحانه لا يحتاج إلى من يدلس عليه في الشهادة لأنك إن عميت على قضاء الأرض، فلن تعمي على قضاء السماء. وبعد ذلك يحكم الحق سبحانه حكما لا هوى فيه لأن آفة الأحكام أن يدخلها الهوى فتميل، والحق سبحانه لا هوى له لأنه لا مصلحة له عند العباد، فهو الخالق عز وجل، ولن يأخذ مصلحة من مخلوق. ويطمئنا الحق سبحانه على أن رسوله صلى الله عليه وسلم أيضا لا ينطق عن الهوى. فيقول رب العزة سبحانه: