تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تغادرهم فالراحلون هم

أي: إن كنت تعيش مع قوم، وأردت أن تفارقهم وقد قدروا أن تعيش معهم، فالذي رحل حقيقة هم هؤلاء القوم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد خروج يونس مغاضبا:

فظن أن لن نقدر عليه..

[الأنبياء: 87]. أي: أنه رجح أن الحق سبحانه لن يضيق عليه الأرض الواسعة، وسيهيىء له مكانا آخر غير مكان المائة الألف أو يزيدون الذين بعثه الله تعالى إليهم. وكان من المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم تجاهه، لكن هذا الظن - والظن ترجيح حكم - يدلنا على أن معارضة دعوته كانت شديدة تحفظ وتملأ القلب بالألم والتعب. وكان عليه أن يوطن نفسه على مواجهة مشقات الدعوة. والقرية التي أرسل إليها يونس عليه السلام هي قرية: " نينوى " ، وهي التي جاء ذكرها في أثناء حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم والغلام النصراني " عداس " الذي قابله صلى الله عليه وسلم في طريق عودته من الطائف.

" وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب إلى الطائف ليطلب من أهلها النصرة بعد أن آذاه قومه في مكة فلم يجد النصير، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم قريبا من حائط بستان. فلما رآه صاحبا البستان - عتبة وشيبة ابنا ربيعة - وما لقي من السفهاء تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ ". قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرية الرجل الصالح يونس بن متى " فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي " ، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. ولما سأل صاحبا البستان عداسا عن صنيعه هذا. قال لهما: لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ".

ونحن نعلم أن العبد الصالح - يونس عليه السلام - قد تأثر وحزن وغضب من عدم استجابة قومه لرسالته الإيمانية، إلى أن رأوا غيما يملأ السماء وعواصف، وألقى الله تعالى في خواطرهم أن هذه العواصف هي بداية عذاب الله لهم فهرعوا إلى ذوي الرأي فيهم، فأشاروا عليهم بأن هذه هي بوادر العذاب، وقالوا لهم: عليكم بإرضاء يونس لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أرسله، فآمنوا به ليكشف عنك الغمة. وهرع الناس إلى الإيمان بالحي الذي لا يموت، الحي حين لا حي، والقيوم والمحيي والمميت. وذهب قوم يونس عليه السلام لاسترضائه وحين رضي عنهم بدأوا ينظرون في المظالم التي ارتكبوها، حتى إن الرجل منهم كان ينقض ويهدم جدار يته لأنه فيه حجرا قد اختلسه من جار له. وكشف الله سبحانه وتعالى عنهم العذاب، وهنا يقول سبحانه: ﴿.. كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98]. ومن لوازم قصة يونس عليه السلام، ليست المغاضبة فقط، بل قصته مع الحوت، فقد كان عليه السلام بعد مغاضبته لقومه قد ركب سفينة، فلعبت بها الأمواج فاضطربت اضطرابا شديدا، وأشرفت على الغرق بركابها فألقوا الأمتعة في البحر لتخف بهم السفينة فاستمر اضطرابها، فاقترعوا على أن يلقوا إلى البحر من تقع عليه القرعة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه السلام.

مثلما نركب مصعدا، فنجد الضوء الأحمر وقد أضاء إنذارا لنا بأن الحمولة زائدة، وأن المصعد لن يعمل فيخرج منه واحد أو أكثر حتى يتبقى العدد المسموح به، وعادة يكون الخارج من أحسن الموجودين خلقا، لأنهم أرادوا تسهيل أعمال الآخرين. كذلك كان الأمر مع السفينة التي ركبها يونس عليه السلام، كادت أن تغرق، فاقترعوا، وصار على يونس أن ينزل إلى البحر. والحق سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٣٩