تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

.. إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين

[القصص: 7]. أي: أن لموسى - عليه السلام - مهمة مسبقة أرادها له الحق سبحانه. ولذلك نجد أن هناك أوامر متتابعة جاء بها القرآن الكريم في مسألة إلقاء أم موسى لابنها، فقال الحق سبحانه:

إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل..

[طه: 38-39]. وكلها أوامر من الحق سبحانه، فتراه زوجة فرعون فتقول لزوجها:

قرة عين لي ولك..

[القصص: 9]. فهل كان فرعون يعلم أن هذا الطفل الذي التقطه سيكون عدوا له؟ لا، لقد التقطه وأعطاه حياة الترف ليكون قرة عين له، وهذه علة الالتقاط، ولكن العاقبة انتهت إلى أن يكون عدوا ولو كانت العلة هي العداوة لما التقطه فرعون أو لقتله لحظة الالتقاط. ولذلك يترك الحق سبحانه وتعالى في كونه أشياء تكسر مكر البشر فأخذه فرعون ورباه، وكانت العاقبة غير ما كان يتوقع فرعون. وقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصددها: ﴿ ليضلوا ﴾ نفهم منه أن - سبحانه وتعالى - لم يعطهم المال ليضلوا، ولكنهم هم الذين اختاروا الضلال. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى الكثير من الناس مالا وجاها وأرادوا به الخير، وهكذا نرى اختيار الإنسان، إن له أن يضل أو يهتدي. وقد قال موسى عليه السلام تنفيسا عن نفسه: { ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم.

. } [يونس: 88]. ومعنى الطمس أي: إخفاء المعالم مثل قول الحق سبحانه:

من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ..

[النساء: 47]. ومعنى الطمس هنا: إخفاء معالم تلك الوجوه فتكون قطعة واحدة بلا جبهة أو حواجب أو عينين أو أنف أو شفاه أو ذقن. إذن: فالطمس هو إهلاك الصورة التي بها الشيء. ودعوة موسى - عليه السلام - هنا: ﴿ اطمس على أموالهم.. ﴾ [يونس: 88]. أي: امسخها. وقال بعض الرواة أنها مسخت، فمن كان يملك بعضا من سبائك الذهب وجدها حجارة، ومن كان يملك أحجارا كريمة كالماس وجدها زجاجا. أو أن ﴿ اطمس على أموالهم.. ﴾ [يونس: 88]. أي: أذهبهما لأن الأموال كانت وسيلة إضلال. وقوله عليه السلام بعد ذلك: ﴿.. واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 88]. أي: أحكم يا رب الأربطة على تلك القلوب فلا يخرج ما فيها من كفر، ولا يدخل ما هو خارجها من الإيمان لأن هؤلاء قد افتروا افتراء عظيما، وأن تظل الأربطة على قلوبهم حتى يروا العذاب الأليم. ولماذا دعا موسى - عليه السلام - على آل فرعون هذا الدعاء، ولم يدع مثلما دعا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "

والإجابة: لا بد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلعه على أن هؤلاء قوم لن تفلح فيهم دعوة الإيمان. وكان خوف موسى - عليه السلام - لا من ضلال قوم فرعون، ولكن من استمرار إضلالهم لغيرهم. إذن: فقد دعا عليهم موسى - عليه السلام - بما جاء في هذه الآية: ﴿.. ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 88]. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه:

فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا..

[غافر: 85]. وهكذا يتبين لنا الفارق بين إيمان الإلجاء والقصر وبين إيمان الاختيار. فحين يأتي الرسول داعيا إلى الإيمان يصبح من حق السامع لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر لأن الله تعالى قد خلق الإنسان وله حق الأختيار، أما إيمان الإلجاء والقصر فهو لا ينفع الإنسان. ومثال ذلك: فرعون، فساعة أن جاءه العذاب أعلن الإيمان. فالحق سبحانه وتعالى يقول:

.. حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين

[يونس: 90]. وإذا كان موسى - عليه السلام - قد دعا على قوم فرعون، فقد سبقه نوح عليه السلام في مثل هذا الدعاء مما أورده القرآن في قوله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٢٥