تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يد الله فوق أيديهم..

[الفتح: 10]. فلا يمكن أن تكون يد الله سبحانه مثل يدك لأن ذاته سبحانه ليست كذاتك، وصفاته سبحانه ليست كصفاتك، وهو سبحانه القادر الأعلى، ولا يمكن أن يكون مقدورا لأحد. ولذلك حين يتجلى الله سبحانه لخلقه، فسوف يتجلى بالصورة التي تختلف عن كل خيال العبد، وهذه الصورة تختلف من عبد إلى آخر، ولو كانت الصورة التي يتجلى بها الله سبحانه مقدورا عليها لكان معنى ذلك أن هناك ذهنا بشريا قد قدر على الإحاطة بها. وما خطر ببالك فالله سبحانه بخلاف ذلك لأن ما خطر بالبال مقدور عليه لأنه خاطر، والله سبحانه لا ينقلب أبدا إلى مقدور عليه. وأنت حين تأتي بمسألة في الحساب أو الهندسة - مثلا - وتعطيها لتلميذ ويقوم بحلها، فمعنى ذلك أن عقله قد قدر عليها، أما إن جئت لتلميذ في المرحلة الإعدادية - مثلا - بمسألة هندسية مقررة على طلبة كلية الهندسة فعقله لن يقدر عليها. إذن: لو أن الإنسان قد أدرك شيئا عن الله غير ما قاله الله لانقلب الإله إلى مقدور عليه، والحق سبحانه منزه عن ذلك لأنه القادر الأعلى الذي لا ينقلب أبدا إلى مقدور.

لذلك يعلمنا الحق سبحانه أن نقول تنزيها لله تعالى كلمة ﴿ سبحانه ﴾ ، وهو التنزيه الواجب عن كل شيء يخطر ببال الإنسان عن الله تعالى، وهذه السبحانية أو هذا التنزيه هو صفة ذاتية في الله تعالى، قبل أن يوجد شيء، وبعد أن خلق الخلق، فعلى كل المخلوقات تنزيهه، وبدأ الخلق في التسبيح. والتسبيح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينقضي لذلك تجد استدلالات القرآن في السور التنزيهية تؤكد ذلك، فيقول الحق سبحانه:

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله

[الإسراء: 1]. وإياك أن تظن أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد سرى بقرار من نفسه، بل الذي أسرى به هو الحق سبحانه، فلا تظن أن المسافة يمكن أن تمنع مشيئة الحق المطلقة، ولا المكان، ولا الزمن لأن الفعل منسوب لله تعالى، ولا يمكن أن نقيس فعلا منسوبا لله تعالى بقياس الزمان أو المكان، أو حسب قانون الحركة النسبية، لأن الحق سبحانه له طلاقة القدرة، وأنت بشر مجرد حادث محدود الزمان والمكان. وأنت إذا سرت من هنا إلى الإسكندرية - مثلا - على قدميك فستقطع المسافة في أسابيع، وإن امتطيت دابة فقد تأخذ في الوصول إلى الإسكندرية أياما، وإن ركبت سيارة فسوف تقطع المسافة في ساعتين، وإن ركبت صاروخا، فستصل خلال دقائق. أي: أنك كلما زادت قوة أداة الوصول قل زمن الوصول، وهذا موجز نظرية الحركة، وإذا كان الذي أسرى هو الله سبحانه، وهو قوة القوى، لذلك لا يمكن أن يقاس بالنسبة لمشيئة قوة أخرى، أو أن يقاس الأمر ببعد أو قرب المكان أو كيفية الزمان الذي تعرفه. وإياك أن تفهم أن إسراء الله تعالى مثل إسرائك لأن الفعل إنما يأخذ قوته من الفاعل، وما دام الفاعل هو الله سبحانه فلا أحد بقادر أن يحد أفعاله بزمن. وقد استهل الحق سبحانه سورة الإسراء بالسبحانية وآياتها الأولى تتكلم في أدق شيء تكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذاته بأنه قد أسري به، وبذلك أثبت بحادث الإسراء حقيقة المعراج، وأن الناموس قد خرق له، وحدثنا عما نعلم لنصدق حديثه عما لا نعلم، وحتى نقيس ما لا نعلم على ما نعلم، فيتأكد لنا صدقه صلى الله عليه وسلم في حديثه عما لا نعلم. كلمة " سبحانه " - إذن - هي للتنزيه، وهي لله تعالى أزلا قبل أن يخلق الخلق، فقد شهد سبحانه لذاته أنه إله واحد، ثم شهدت الملائكة، ويتكرر التسبيح من كل المخلوقات التي أوجدها الله سبحانه. وأنت تجد سور القرآن الكريم التي جاء فيها التسبيح مؤكدة أنه سبحانه منزه، وله التسبيح من قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق ليسبحوا، ففي سورة الحديد يقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٩٥