تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النمل:14]. وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيتم الله نوره، ولا يوجد أعز من الله سبحانه وتعالى، ولن يجير أحد على الله أحدا، فهو سبحانه يجير ولا يجار عليه. وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد تكون عزة حجة، وقد تكون عزة حلف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق الله سبحانه قد توجد له عزة مجال ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه شاملة مطلقة في كل محيط وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء. ولماذا لم يأت الحق سبحانه بأسلوب القصر في هذه الآية؟ أي: أن تأتي الصفة للموصوف وتنفيها عما عداه كأن نقول: " لزيد مال ليس لغيره ". وإذا قدمنا الجار والمجرور - وهو المتعلق - فنقول: " لفلان كذا " ، وهذا يعني أن غير فلان ليس له كذا. وإن قلنا: " فلان له كذا " فيصح أن نقول: " ولفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا ". أما إذا قلت: " لفلان كذا " فمعناها: امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿.. إن العزة لله جميعا.. ﴾ [يونس: 65] وجاء بالتأكيد ولم يأت لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره لأنه لا يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبرا كونيا بأن العزة لله جميعا. وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك - وهو خالق الخلق - فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت - معاذ الله - قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبدا مع آيات الحق سبحانه لأنه هو خالق الكون، وهو منزل الآيات فلا يمكن أن يحدث تناقض أبدا بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى. وقد حدث أن ادعى بعضهم العزة لنفسه وقالوا:

.. لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل..

[المنافقون: 8]. وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة للمؤمنين. إذن فالعزة قد ادعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر؟ نقول: لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول:

.. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..

[المنافقون: 8]. فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى.

وقول الحق سبحانه هنا: ﴿.. إن العزة لله جميعا.. ﴾ أي: في كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى، إن كانت عزة حكمة فهو الحكيم، وإن كانت عزة القبض على الأمور فهو العزيز، وإن كانت عزة الحلم فهو الحليم، وإن كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبار، وكل ألوان العزة لله تعالى: ﴿.. هو السميع العليم ﴾ [يونس: 65]. وما دامت العزة هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يقهر منه، وما دام الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإن كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، فهو السميع لما يقال والعليم بما يفعل. ونحن نعلم أن المنهي عنه هنا هو: ﴿ ولا يحزنك قولهم.. ﴾ [يونس: 65]. لذلك كان المناسب أن يقال: ﴿ هو السميع.. ﴾ أولا. ويريد الحق سبحانه أن يدلل على هذه القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو الكون من يقف أمامه سبحانه لذلك لا بد أن نلحظ أن قانون " العزة لله جميعا " محكوم بأن لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ألا إن لله من في السماوات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٨٧