قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا..
[الحجرات: 14]. وهؤلاء القوم من الأعراب قالوا: ﴿ آمنا ﴾ رغم أنهم راءوا المسلمين وقلدوهم زيفا ونفاقا، ولم يكن الإيمان قد دخل قلوبهم بعد، وحين سمعوا قول الحق سبحانه:
ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..
[الحجرات: 14]. قالوا: الحمد لله لأن معنى ذلك أن الإيمان سوف يدخل قلوبهم. وكذلك قول الحق سبحانه:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين
[آل عمران: 142]. فحين سمعوا ذلك قالوا: إذن: وثقنا أنه سيأتي علم الله سبحانه بنا كمجاهدين وصابرين. وهكذا نعرف أن ﴿ لما ﴾ تعني أن المنفي بها متوقع الحدوث. والتأويل كما نعلم هو مرجع الشيء. وقد جاء في القرآن الكثير من الأخبار لم تكن وقت ذكرها بالقرآن متوقعة، أو مظنة أن توجد. وحين وجدت ولا دخل لبشر في وجودها، فهذا يعني أن قائل هذا الكلام قد أخذه عمن يقدر على أن يوجد، مثلما جاء في خبر انتصار الروم على الفرس رغم هزيمة الروم. قال الحق سبحانه:
غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..
[الروم: 2-5]. جاء هذا الخبر وانتظر المسلمون تأويله، وقد جاء تأويله طبقا لما أخبر القرآن. أو أن التأويل سيأتي في الآخرة، وما يؤول الأمر في التكذيب سيعلمونه من بعد ذلك. والحق سبحانه يقول:
ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله..
[الأعراف: 52-53]. هم ينتظرون ما يؤول إليه القرآن وما يؤولون إليه، إن كان في الدنيا فنصر أهل القرآن، وإن كان في الآخرة، فهذا قول الحق سبحانه:
يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل..
[الأعراف: 53]. هذا هو التأويل الذي كذبه البعض من قبل. إذن: فالتأويل إما أن يكون لمن بقي من الكفار فيرى ما أخبر به القرآن وقد جاء على وفق ما أخبر به نبي لا يملك أن يتحكم في مصائر الأشياء، وتأتي على وفق ما قال. فكأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يجازف بأن يقول كلاما لا يتحقق فينصرف عنه الذين آمنوا به، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا ما هو واثق ومطمئن من وقوعه لأن الخبر به جاء من لدن عليم خبير. وإما أن التأويل - أيضا - يأتي في الآخرة. وهنا قال الحق سبحانه: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.. ﴾ [يونس: 39]. والحق سبحانه هنا يلفت رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن ما حدث معه قد حدث مع رسل من قبله، فقال سبحانه في نفس الآية: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ [يونس: 39]. أي: انظر لموكب الرسل كلهم من بدء إرسال الرسل، هل أرسل الله رسولا ونصر الكافرين به عليه؟.. لا، لقد كانت الغلبة دائما لرسل الحق عز وجل مصداقا لقوله سبحانه:
كتب الله لأغلبن أنا ورسلي..
[المجادلة: 21]. وعرفنا ما حدث للظالمين، فمنهم من أغرقه الله، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أخذه بالصيحة. إذن: فالتأويل واضح في كل مواكب الرسل التي سبقت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كل قوم من الظالمين قد نالوا ما يناسب رسالة رسولهم، فسينال القوم الظالمين الكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ما يناسب عمومية رسالته صلى الله عليه وسلم. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ [يونس: 39] لا بد لنا أن نعرف معنى الظلم، إنه نقل الحق لغير صاحبه، والحقوق تختلف في مكانتها، فهناك حق أعلى، وحق أوسط، وحق أدنى. فإذا جئت للحق الأدنى في أن تنقل الألوهية لغير الله سبحانه وتعالى فهذا قمة الظلم، والحق سبحانه يقول: