تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا: " النظائر حين تخالف فلا بد من علة للمخالفة " فالسمع آلة إدراك، والبصر آلة إدراك، فلماذا قال الحق سبحانه في آلة الإدراك " السمع " ، وقال في الآلة الثانية " الإبصار "؟، ولماذا جاء السمع بالإفراد، وجاء الإبصار بالجمع، ولم يأت بالاثنين على وتيرة واحدة؟ فنقول: إن المتكلم هو الله تعالى، وكل كلمة منه لها حكمة وموضوعة بميزان، وأنت حين تسمع، تسمع أي صوت قادم من أي مكان، لكنك بالعين ترى من جهة واحدة، فإن أردت أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه بعينيك إلى اليمين، وإن أردت أن ترى ما خلفك، فأنت تغير من وقفتك، فالأذن تسمع بدون عمل منك، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة لترى ما تريد. وأيضا فالسمع لا اختيار لك فيه، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن سماع شيء، أما الإبصار فأنت تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين. وجاء الحق - سبحانه وتعالى - بالسمع أولا لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدي مهمتها في الإنسان، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام غالبا. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ أمن يملك السمع والأبصار... ﴾ [يونس: 31]. والحق سبحانه يملكها لأنه خالقها وهو القادر على أن يصونها، وهو القادر سبحانه على أن يعطلها، وقد أعطانا الحق مثالا لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف:

فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا

[الكهف: 11]. فعطل الله سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم، فذهبوا في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعا. كيف حدث هذا؟.. إن أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو يوم وليلة، ولذلك عندما بعثهم الله تساءلوا فيما بينهم:

قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم..

[الكهف: 19]. ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا، فإن شعورهم قد طالت جدا، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيبا وكهولا، ولذلك قال الحق سبحانه:

لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا..

[الكهف: 18]. ونلحظ هنا ملحظا يجب الانتباه إليه، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: ﴿ أمن يملك السمع والأبصار.. ﴾ [يونس: 31]. بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة:

وجعل لكم السمع والأبصار..

[السجدة: 9]. ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين " الخلق " و " الجعل " ، و " الملك " ، فالخلق قد عرفنا أمره، وملكية كل شيء لله - تعالى - أمر ملزم في العقيدة، ومعروف، أما " الجعل " ، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته. فأنت تجعل الطين إبريقا، والقماش جلبابا، هذا على المستوى البشري، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولا، ثم جعل من المادة سمعا وبصرا، وزاد من بعد ذلك ﴿ أمن يملك ﴾ ، فمن خلق هو الله تعالى، ومن جعل هو الله تعالى، ومن ملك هو الله تعالى.

وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله سبحانه، ويجعلها، ثم يملكها له. أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خلقت في الإنسان، وجعلت له للانتفاع بها، ولكنها ستظل ملكا لله، يبقيها على حالها، أو يخطفها أو يصيبها بآفة، أو يعطلها. إذن: فهي خلقت لله، وجعلت من الله، وتظل مملوكة لله، ويصيرها كيف يشاء، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللا إرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله. والحق سبحانه - على سبيل المثال - جعل لكل حيوان جلدا ننتفع به وندبغه إلا جلدين اثنين: جلد الإنسان وجلد الخنزير، وقد حرم استخدام جلد الإنسان لكرامته عند خالقه، وحرم استخدام جلد الخنزير ليدل على حرمته ونجاسته. وعلينا أن ننتبه إلى أن الحق سبحانه قد خلق وجعل وملك، ودليل ملكية الحق - سبحانه وتعالى - أنه حرم الجنة على المنتحر لأنه لا يأخذ الحياة إلا واهب الحياة، فأنت أيها الإنسان لست ملك نفسك. ولا عذر لأحد ما دام قد وصله هذا البلاغ، وعليه أن يستوعبه أما من لا يستوعب فيلقى مصيره. لذلك فإنه سبحانه هو الذي رزق، وهو - سبحانه - الذي يملك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. ﴾ [يونس: 31]. ونحن نعلم أن لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، بدليل قول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٤٠