تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" عبدونا ونحن أعبد لله

من القائمين بالأسحار "

لأن الحق سبحانه هو القائل:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده..

[الإسراء: 44]. ويكمل العارف بالله:

" اتخذوا صمتنا علينا دليلا

فغدونا لهم وقود النار "

والحق سبحانه هو القائل:

فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة..

[البقرة: 24]. ويتابع العارف بالله:

" قد تجنوا جهلا كما تجنوا

على ابن مريم والحواري "

فما موقف الله سبحانه من هؤلاء وأولئك؟ فنقول:

إن للمغالي جزاءه، والمغالى

فيه تنجيه رحمة الغفار "

وهكذا وضح موقف كل من يعبد غير الله سبحانه أو يشرك به، هؤلاء الذين يشملهم قول الحق سبحانه: ﴿ ويوم نحشرهم جميعا.. ﴾ [يونس: 28]. وهكذا يحشر من عبدوا الأصنام أو الكواكب أو أشركوا بالله، وكذلك شياطين الجن والإنس، الجميع سيحشرون في الموقف يوم الحشر، وليتذكر الجميع في الدنيا أن في الحشر ستكشف الأمور ويفضح فيه كل إنسان أشرك مع الله غيره، سبحانه، وستحدث المواجهة مع من أشركه بالعبادة مع الله سبحانه دون علم من الملائكة أو الرسل أو الكواكب أو الحجارة بأمر هؤلاء، ويأتيهم جميعا أمر الحق سبحانه: ﴿ ثم نقول للذين أشركوا مكانكم.. ﴾ [يونس: 28]. وحين تسمع الأمر: " مكانك " فهو يعني: " الزم مكانك " وهي لا تقال للتحية، بل تحمل التهديد والوعيد، وانتظار نتيجة موقف لن يكون في صالح من تقال له، ونعرف أن الملائكة، والرسل، والكواكب، والحجارة ليس لها علم بأمر هؤلاء الذين عبدوهم. إذن: فالذين ينطبق عليهم هذا الأمر هم هؤلاء المشركون الذين ظنوا أن بإمكانهم الإفلات من الحساب، لكنهم يسمعون الأمر ﴿ مكانكم أنتم وشركآؤكم ﴾ ، فهل يعني ذلك أنهم سوف يأتون مع الملائكة ومن عبد من الرسل والكواكب والحجارة في موكب واحد؟ لا لأن هؤلاء العبيد اتفقوا على موقف باطل، ويشاء الحق سبحانه أن يفصل بين الحق والباطل. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ [يونس: 28]. أي: جعل من المشركين فريقا، وجعل من الذين عبدوا دون علمهم فريقا آخر، وأعلن فريق من عبدوا دون علمهم: ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون.. ﴾ [يونس: 28]. أي: ما كنتم تعبدوننا بعلمنا. وانظروا إلى الموقف المخزي لمن عبدوا غير الله سبحانه، أو أشركوا به، إن الواحد منهم قد عبد معبودا دون أن يدري به المعبود، مع أن الأصل في العبادة هو التزام العابد بأمر المعبود، وهذا المسألة تصدق على الملائكة وسيدنا عيسى عليه السلام، وتصدق أيضا على الكواكب والأحجار لأن الحق سبحانه الذي ينطق أبعاض الإنسان يوم القيامة لتشهد على صاحبها، قادر على أن ينطق الأحجار.

والحق سبحانه هو القائل:

ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء..

[فصلت: 19-21]. ونجد الصنم يوم القيامة وهو يلعن من عبده، تماما مثلما يتبرأ الجلد من صاحبه إن عصى الله تعالى، فالحق سبحانه يقول:

يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون

[النور: 24]. ولكن لا تترك عقلك يتخيل كيفية تكلم الصنم، فأنت آمنت أن جوارح الإنسان من يد ورجل وجلد ستنطق يوم القيامة، فهل تعقلت كيف تنطق اليد، وكيف ينطق الجلد، وكيف تنطق الرجل في الآخرة، أنت تؤمن بخبر الآخرة فلا تنظر إلى معطيات أمور الآخرة بقوانين الدنيا لأن كل شيء يتبدل في الآخرة، ألم تخبرك السنة أنك ستأكل في الجنة، ولا تخرج فضلات؟ وهذا أمر غير منطقي بقوانين الدنيا ولكننا نؤمن به، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يخبرنا بأشياء سوف تحدث في الجنة، لو قسناها بعقولنا على ما نعرف في الدنيا لوقفت أمامها عاجزة، لكن القلب المؤمن يعقل أمور القيامة والآخرة على أساس أنها غيب، والمقاييس تختلف فيها لأن الإنسان مظروف بين السماء والأرض. وللدنيا أرض وسماء، وللآخرة أيضا أرض وسماء؟ والحق سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٣٣