تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأحقاف: 24-25]. وإن تكلم عنها بلفظ الجمع فهي للرحمة، وسبحانه القائل:

وأرسلنا الرياح لواقح..

[الحجر: 22]. ويقول سبحانه أيضا:

وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات..

[الأعراف: 57]. والرياح هنا جاءت في صيغة الجمع، وعلة وجود ريح للشر، ورياح للخير، يمكنك أن تستشفها من النظر إلى الوجود كله هذا النظر يوضح لك أن الهواء له مراحل، فهواء الرخاء هو الذي يمر خفيفا، مثل النسيم العليل، وأحيانا يتوقف الهواء فلا تمر نسمة واحدة، ولكننا نتنفس الهواء الساكن الساخن أثناء حرارة الجو، ثم يشتد الهواء أحيانا فيصير رياحا قوية بعض الشيء، ثم يتحول إلى أعاصير. والهواء - كما نعلم - هو المقوم الأساسي لكل كائن حي، ولكل كائن ثابت غير حي، فإذا كان الهواء هو المقوم الأساسي للنفس الإنسانية، فالعمارات الضخمة - مثل ناطحات السحاب - لا تثبت بمكانها إلا نتيجة توازن تيارات الهواء حولها، وإن حدث تفريغ للهواء تجاه جانب من جوانبها فالعمارة تنهار. إذن: فالذي يحقق التوازن في الكون كله هو الهواء. ولذلك نجد القرآن الكريم قد فصل أمر الرياح وأوضح مهمتها، وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ﴾ وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمع في أشرعتها. وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدى الشراع، وانتقل إلى البخار، ثم الكهرباء، فإن كلمة الحق سبحانه: ﴿ بريح طيبة ﴾ تستوعب كل مراحل الارتقاء، خصوصا وأن كلمة " الريح " قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء، أو محرك يسير بأية طاقة. وسبحانه القائل:

ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..

[الأنفال: 46]. وهكذا نفهم أن معنى الريح ينصرف إلى القوة. وأيضا كلمة " الريح " تنسجم مع كل تيسيرات البحر. وقوله الحق: ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ﴾ هذا القول الكريم يضم ثلاثة وقائع: الوجود في الفلك، وجرى الفلك بريح طيبة، ثم فرحهم بذلك هذه ثلاثة أشياء جاءت في فعل الشرط، ثم يأتي جواب الشرط وفيه ثلاثة أشياء أيضا: أولها: ﴿ جآءتها ريح عاصف ﴾ وثانيها: ﴿ وجآءهم الموج من كل مكان ﴾ وثالثها: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾. أما الريح العاصف: فهي المدمرة، ويقال: فلان يعصف بكذا، وفي القرآن:

كعصف مأكول..

[الفيل: 5]. إذن: ﴿ ريح عاصف ﴾ هي الريح المدمرة المغرقة. وقوله الحق: ﴿ وجآءهم الموج من كل مكان ﴾. فالموج يأتي من أسفل، والريح تأتي من أعلى، وترفع الريح الموج فيدخل الموج إلى المركب، ونعلم أنهم يقيسون ارتفاع الموج كل يوم حسب قوة الريح: فحين تكون الريح خفيفة يظهر سطح مياه البحر مجعدا، وحين تكون الريح ساكنة فأنت لا تجد صفحة المياه مجعدة، بل مبسوطة، وقد جاءتهم الريح عاصفا فيزداد عنف الموج، ويتحقق نتيجة لذلك الظن بأنهم قد أحيط بهم.

ومعنى الإحاطة هو عدم وجود منفذ للفرار ولذلك نجد الحق سبحانه يتكلم عن الكافرين بقوله:

والله محيط بالكافرين..

[البقرة: 19]. أي: ليس هناك منفذ يفلتون منه. ولحظة ظنهم أنه قد أحيط بهم لا يسلمون أنفسهم لهذه الحالة بدعوى الاعتزاز بأنفسهم غريزيا، بل يتجهون إلى الله بالدعاء، هذا الإله الذي أنكروه، لكنهم لحظة الخطر لا يكذب أحد على نفسه أو يخدعها. ولذلك نجد سيدنا جعفر الصادق يجيب على سائل سأله: أهناك دليل على وجود الصانع الأعلى؟ فيقول سيدنا جعفر: ما عملك؟ فيجيب السائل: تاجر أبحر في البحر. فسأله سيدنا جعفر: أولم يحدث لك فيه حال؟ قال الرجل: بل حدث. فسأل سيدنا جعفر: ما هو؟ قال: حملت بضائعي في سفينة، فهبت الريح وعلا الموج وغرقت السفينة وتعلقت بلوح من الخشب. قال سيدنا جعفر: الم يخطر على بالك أن تفزع إلى شيء؟ قال الرجل: نعم. قال سيدنا جعفر: هذا الصانع الأعلى. وكذلك لجأ هؤلاء الذين كفروا بالله إلى الله تعالى حين عصفت بهم الريح، وعلا عليهم الموج، وظنوا أنهم قد أحيط بهم ويقول الحق سبحانه وتعالى - وهم في مثل هذه الحالة: ﴿ دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ وهذا يعني أنهم لم يدعوه فقط، بل دعوه بإخلاص وأقروا بوحدانيته، وألا شريك له أبدا لأنهم يعلمون أن مثل هذا الشريك لن ينفعهم أبدا. ثم يجيء الحق سبحانه بصيغة دعائهم: ﴿ لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾ فهل وفوا بالعهد؟ لا لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: ﴿ فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٢٣