وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون
[الأعراف: 172173]. إذن: فالتعصي عن الحكم الإيماني مدخله بابان: الأول باب الغفلة، أي: أن تكون قد علمت شيئا، ولم تجعله دائما في بؤرة شعورك لأن عقلك يستقبل المعلومات، ويستوعبها من مرة واحدة، إن لم تكن مشتت الفكر في أكثر من أمر، فإن كنت صافي الفكر ومنتبها إلى المعلومة التي تصلك فإن عقلك يستوعبها من مرة واحدة، ومن المهم أن يكون الذهن خاليا لحظة أن تستقبل المعلومة الجديدة. ولذلك نجد فارقا بين إنسان وإنسان آخر في حفظ المعلومات، فواحد يستقبل المعلومة وذهنه خال من أي معلومة غيرها، فتثبت في بؤرة الشعور، بينما يضطر الآخر إلى تكرار قراءة المعلومة إلى أن يخلو ذهنه من غيرها فتستقر المعلومة في بؤرة الشعور، وحين تأتي معلومة أخرى، فالمعلومة الأولى تنتقل إلى حاشية الشعور إلى حين أن يستدعيها مرة أخرى. وإذا أراد طالب على سبيل المثال أن يستوعب ما يقرأ من معلومات جديدة، فعليه أن ينفض عن ذهنه كل المشاغل الأخرى ليركز فيما يدرس لأنه إن جلس إلى المذاكرة وباله مشغول بما سوف يأكل في الغداء، أو بما حدث بينه وبين أصدقائه، أو بما سوف يرتدي من ملابس عند الخروج من البيت، أو بغير ذلك من المشاغل، هنا سوف يضطر الطالب أن يعيد قراءة الدرس أكثر من مرة حتى يصادف الدرس جزئية خالية من بؤرة الشعور فتستقر فيها.
وقد نجد طالبا في صباح يوم الامتحان وهو يسمع من زملائه أن الامتحان قد يأتي في الجزء الفلاني من المقرر فيفتح الكتاب المقرر على هذا الجزء ويقرأه مرة واحدة فيستقر في بؤرة الشعور، ويدخل الامتحان، ليجد السؤال في الجزء الذي قرأه مرة واحدة قبل دخوله إلى اللجنة فيجيب عن السؤال بدقة. ولذلك فالتلميذ الذكي هو من يقوم بما يسميه علم النفس " عملية الاستصحاب " ، أي: أن يقرأ الدرس ثم يغلق الكتاب ليسأل نفسه: " ما الجديد من المعلومات في تلك الصفحة؟ " ويحاول أن يتذكر ذلك، ويحاول أن يتعرف حتى على الألفاظ الجديدة التي في تلك الصفحة، وما هي الأفكار الجديدة التي صححت له معلومات أو أفكارا خاطئة كانت موجودة لديه. وهكذا يستصحب الطالب معلوماته بتركيز وانتباه. وكذلك الأستاذ المتميز هو من يشرح الدرس ثم يتوقف ليسأل التلاميذ ليثير انتباههم حتى لا ينشغل أحدهم بما هو خارج الدرس، والأستاذ المتميز هو الذي يلقي درسه بما يستميل التلاميذ، كما تستميلهم القصة المروية، وحتى لا تظل المعلومات الدراسية مجرد معلومات جافة. وبهذا يستمر الذهن بلا غفلة، والغفلة تأتي إلى القضايا الدينية لأن في الإنسان شهوات تصادم الأوامر والنواهي فيتناسى الإنسان بعض الأوامر وبعض النواهي إلى أن يأتي الران الذي قال عنه الحق سبحانه:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]. ويبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالحديث الشريف:
" نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة "
ثم يحدثنا صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة فيقول:
" ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت "
أي: مثل لسعة النار وهكذا تتوالى حتى يأتي الران على القلب. إذن: فالغفلة تتلصص على النفس الإنسانية، وكلما غفل الإنسان في نقطة، ثم يغفل عن أخرى وهكذا. ولكن من لا يغفل فهو من يتذكر الحكم، ويطبقه، ويذوق حلاوته. ومثال هذا: المسلم الذي يشرح الله تعالى قلبه للصلاة، فإن لم يصل يظل مرهقا وفي ضيق. ولذلك جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: