قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا
[الإسراء: 42]. وهذا القول الحكيم ينبه المشركين إلى أنه بافتراض جدلي أن لهؤلاء الشركاء قوة وقدرة على التصرف، فهم لن يفعلوا أي شيء إلا بابتغاء ذى العرش، أي: بأمره سبحانه وتعالى. وهم حين ظنوا خطأ أن لكل فلك من الأفلاك سيطرة على مجال في الوجود، وأن النجوم لها سيطرة على الوجود، وأن كل برج من الأبراج له سيطرة على الوجود، فلا بد في النهاية من الاستئذان من مالك الملك والملكوت. ومن خيبة من ظنوا مثل هذه الظنون، ومعهم الفلاسفة الذين أقروا بأن هناك أشياء في الكون لا يمكن أن يخلقها إنسان، أو أن يدعى لنفسه صناعتها لأن الجنس البشري قد طرأ على هذه المخلوقات، فقد طرأ الإنسان على الشمس والقمر والنجوم والأرض، ولا بد إذن أن تكون هناك قوة أعلى من الإنسان هي التي خلقت هذه الكائنات.
كل هذه الكائنات تحتاج إلى موجد، ولم نجد معامل لصناعة الشمس أو القمر أو الأرض أو وجدنا من ادعى صناعتها أو خلقها. ولكن الفلاسفة الذين قبلوا وجود خالق للكون لم يصلوا إلى اسمه ولا إلى منهجه، وقوة الحق سبحانه مطلقة، ولا يحتاج إلى شريك له، وإذا أردنا أن نتأمل ولو جزءا بسيطا من أثر قوة الله التي وهبها للإنسان، فلنتأمل صناعة المصباح الكهربي. وكل منا يعلم أنه لا توجد بذرة نضعها في الأرض، فتنبت أشجارا من المصابيح، بل استدعت صناعة مصباح الكهرباء جهد العلماء الذين درسوا علم الطاقة، واستنبطوا من المعادلات إمكان تصور صناعة المصباح الكهربي، وعملوا على تفريغ الهواء من الزجاجة التي يوضع فيها السلك الذي يضيء داخل المصباح، وهكذا وجدنا أن صناعة مصباح كهربي واحد تحتاج إلى جهد علماء وعمل مصانع، كل ذلك من أجل إنارة غرفة واحدة لفترة من الزمن. فما بالنا بالشمس التي تضيء الكون كله، وإذا كان أتفه الأشياء يتطلب كمية هائلة من العلم والبحث والإمكانات الفنية والتطبيقية، وتطوير للصناعات، فما بالنا بالشمس التي تضيء نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم، ولا أحد يقدر على إطفائها، ولا تحتاج إلى صيانة من البشر، وإذا أردت أن تنسبها فلن تجد إلا الله سبحانه. وأنت بما تبتكره وتصنعه لا يمكن أن يصرفك عن الله، والذكي حقا هو من يجعل ابتكاراته وصناعاته دليلا على صدق الله فيما أخبر. وإذا كان الحق سبحانه قد خلق الشمس - ضمن ما خلق - وإذا أشرقت أطفأ الكل مصابيحهم لأنها هي المصباح الذي يهدي الجميع، وإذا كان ذلك هو فعل مخلوق واحد لله، فما بالنا بكل نعمة من سائر مخلوقاته. ونور الشمس إنما يمثل الهداية الحسية التي تحمينا من أن نصطدم بالأشياء فلا تحطمنا ولا نحطمها، فكذلك يضيء لنا الحق سبحانه المعاني والحقائق. وإياك أن تقول: إن الفيلسوف الفلاني جاء بنظرية كذا فخذوا بها، بل دع عقلك يعمل ويقيس ما جاء بهذه النظرية على ضوء ما نزل في كتاب الحق سبحانه، وإن دخلت النظرية مجال التطبيق، وثبت أن لها تصديقا من الكتاب، فقل: إن الحق سبحانه قد هدى فلانا إلى اكتشاف سر جديد من أسرار القرآن لأن الحق يريد منا أن نتعقل الأشياء وأن ندرسها دراسة دقيقة، بحيث نأخذ طموحات العقل لتقربنا إلى الله، لا لتبعدنا عنه، والعياذ بالله. وإذا قال الحق سبحانه: ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ فذلك لأن الشركة تقتضي طلب المعونة، وطلب المعونة يكون إما من المساوي وإما من الأعلى، ولا يوجد مساو لله تعالى، ولا أعلى من الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة... ﴾.