تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[العنكبوت: 48]. فمن أين جاءت تلك البلاغة؟ كان يجب أن تأخذوا هذه المقدمات لتحكموا بأنه صادق في البلاغ عن الله لذلك ينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾. وحين ينبهك الحق سبحانه وتعالى إلى أن تستعمل عقلك، فهذا دليل على الثقة في أنك إذا استعملت عقلك وصلت إلى القضية المرادة. والله سبحانه وتعالى منزه عن خديعة عباده، فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله بالغفلة، لكن الذي ينبه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما يقول، يمكن الوصول إليه بالعقل. وقول الحق سبحانه في آخر الآية: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ يدلنا على أن القضية التي كذبوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت من عدم استعمال عقولهم، فلو أنهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدمات المحسة التي يؤمنون بها ويسلمون لانتهوا إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو أنهم فكروا وقالوا: محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة، ولا تلاوة كتاب ولا جلوسا إلى معلم، ولم يغب عنا فترة ليتعلم، وظل مدة طويلة إلى سن الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان فمن أين جاءته هذه الدفعة القوية؟ كان يجب أن يسألوه هو عنها: من أين جاءتك هذه؟ وما دام قد قال لهم: إنها جاءته من عند الله، فكان يجب أن يصدقوه. ومهمة العقل دائما مأخوذة من اشتقاقه، " فالعقل " مأخوذ من " عقال " البعير.

وعقال البعير هو الحبل الذي تربط به ساقي الجمل حتى لا ينهض ويقوم لنوفر له حركته فيما نحب أن يتحرك فيه، فبدلا من أن يسير هكذا بدون غرض، وبدون قصد، فنحن نربط ساقيه ليرتاح ولا يتحرك، إلى أن نحتاجه في حركة. إذن: فالعقل إنما جاء ليحكم الملكات لأن كل ملكة لها نزوع إلى شيء، فالعين لها ملكة أن ترى كل شيء، فيقول لها العقل: لا داعي أن تشاهدي ذلك لأنه منظر سيؤذيك، والأذن تحب أن تسمع كل قول، فيقول لها العقل: لا تسمعي إلى ذلك حتى لا يضرك. إذن: فالعقل هو الضابط على بقية الجوارح. وكذلك كلمة " الحكمة " ، مأخوذة من " الحكمة " وهي في " اللجام " الذي يوضع في فم الفرس حتى لا يجمح، وتظل حركته محسوبة فلا يتحرك إلا إلى الاتجاه الذي تريده. إذن: شاء الحق سبحانه أن يميز الإنسان بالعقل والحكمة ليقيم الموازين لملكات النفس فخذوا المقدمات المحسة التي تؤمنون بها وتشهدونها وتسلمونها لرسول الله صلى الله عليه سلم لتستنبطوا أنه جاء بكلامه من عند الله تعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ فمن أظلم ممن افترى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤١٠