تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون

[يونس: 14]. وساعة تأتي لأمر يعلله الله بكلمة

ليعلم...

[المائدة: 94]. أو ﴿ لننظر... ﴾ [يونس: 14]. فاعلم أن الله عالم وعليم، علم كل الأمور قبل أن توجد، وعلم الأشياء التي للناس فيها اختيار، وهو القائل:

لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب...

[الحديد: 25]. وقد علم الحق سبحانه أزلا كل شيء، وإذا قال الله: ﴿ وليعلم ﴾ فليس معنى ذلك أن هناك علما جديدا لم يكن يعلمه سوف ينشأ له، لكنه يعلم علم مشهد وإقرار منك حتى لا يقول قائل: لماذا يحاسبنا الله على ما علم أزلا؟ بل يأتي سبحانه بالاختبار الذي يحدد للعبد المعايير التي تتيح للمؤمن أن يدخل الجنة، وللعاصي أن يحاسب ويجازى.

وبذلك يعلم الإنسان أن الحق سبحانه شاء ذلك ليعرف كل عبد علم الواقع، لا علم الحصول. إذن: فذكر كلمة ﴿ وليعلم ﴾ وكلمة ﴿ لننظر ﴾ في القرآن معناها علم واقع، وعلم مشهد، وعلم حجة على العبد فلا يستطيع أن ينكر ما حدث، وقوله الحق:

وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب

[الحديد: 25]. هذه الآية تبين لنا أدوات انتظام الحكم الإلهي: رسل جاءوا بالبرهان والبينة، وأنزل الحديد للقهر، قال الحق سبحانه:

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..

[الحديد: 25]. وقرن ذلك بالرسل، فقال: ﴿ وليعلم الله من ينصره ﴾ والنصرة لا تكون إلا بقوة، والقوة تأتي بالحديد الذي يظل حديدا إلى أن تقوم الساعة، وهو المعدن ذو البأس، والذي لن يخترعوا ما هو أقوى منه، وعلم الله سبحانه هنا علم وقوع منكم، لا تستطيعون إنكاره لأنه سبحانه لو أخبر خبرا دون واقع منكم فقد تكذبون لذلك قال سبحانه: ﴿ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ﴾ وفي هذا لون من الاحتياط الجميل. وقوله: ﴿ وليعلم الله من ينصره ﴾ كأن الله يطلب منكم أن تنصروه، لكن إياكم أن تفهموا المعنى أنه سبحانه ضعيف، معاذ الله، بل هو قوي وعزيز. فهو القائل:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم

[التوبة: 14]. بل يريد سبحانه أن يكون أعداء الإيمان أذلاء أمامكم لأنه سبحانه يقدر عليهم. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ وليعلم الله من ينصره ﴾ إنما يعني: أن يكون علم الله بمن ينصر منهجه أمرا غيبيا حتى لا يقول أحد إن انتصار المنهج جاء صدفة، بل يريد الحق سبحانه أن يجعل نصرة منهجه بالمؤمنين، حتى ولو قلت عدتهم، وقل عددهم. إذن: قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ﴾ [يونس: 14]. أي: نظر واقع، لا نظر علم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٠٦