وأنت امرؤ ائتمنتك خاليا فخنت وإما قلت قولان بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة بين الخيانة والإثم
فقال ابن زياد صدقت! وطرد الواشي. وحاصل هذين البيتين الذين طرد بهما ابن زياد الواشي ولم يتعرض للسلولي بسوء بسببهما - هو هذا الدليل العظيم المذكور. فكأنه يقول له لا يخلو قولك هذا من أحد أمرين إما أن أكون ائتمنتك على سر فأفشيته. وإما أن تكون قلته علي كذبا. ثم رجع بالسبر إلى القسمين المذكورين فبين أن الواشي مرتكب ما لا ينبغي على كل تقدير من التقديرين، لأنه إذا كان ائتمنه على سر فأفشاه فهو خائن له، وإن كان قال عليه ذلك كذبا وافتراء فالأمر واضح. المسألة السادسة اعلم أن بين الدليل التاريخي العظيم يوضح غاية الإيضاح موقف المسلمين الطبيعي من الحضارة الغربية. وبذلك الإيضاح التام يتميز النافع من الضار، والحسن من القبيح، والحق من الباطل. وذلك أن الاستقراء التام القطعي دل على أن الحضارة الغربية المذكورة تشتمل على نافع وضار أما النافع منها - فهو من الناحية المادية وتقدمها في جميع الميادين المادية أوضح من أن أبينه. وما تضمنته من المنافع للإنسان أعظم مما كان يدخل تحت التصور، فقد خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث أنه جسد حيواني. وأما الضار منها. فهو إهمالها بالكلية للناحية التي هي رأس كل خير، ولا خير ألبتة في الدنيا بدونها، وهي التربية الروحية للإنسان وتهذيب أخلاقه. وذلك لا يكون إلا بنور الوحي السماوي الذي يوضح للإنسان طريق السعادة، ويرسم له الخطط الحكمية في كل ميادين الحياة الدنيا والآخرة، ويجعله على صلة بربه في كل أوقاته. فالحضارة الغربية غنية بأنواع المنافع من الناحية الأولى، مفلسة إفلاسا كليا من الناحية الثانية. ومعلوم أن طغيان المادة على الروح يهدد العالم أجمع بخطر داهم، وهلاك مستأصل، كما هو مشاهد الآن. وحل مشكلته لا يمكن ألبتة إلا بالاستضاءة بنور الوحي السماوي الذي هو تشريع خالق السماوات والأرض، لأن من أطغته المادة حتى تمرد على خالقه ورازقه لا يفلح أبدا. والتقسيم الصحيح يحصر أوصاف المحل الذي هو الموقف من الحضارة الغربية في أربعة أقسام لا خامس لها، حصرا عقليا لا شك فيه. الأول ترك الحضارة المذكورة نافعها وضارها. الثاني أخذها كلها وضارها ونافعها. الثالث أخذ ضارها وترك نافعها. الرابع أخذ نافعها وترك ضارها. فنرجع بالسبر الصحيح إلى هذه الأقسام الأربعة، فنجد ثلاثة منها باطلة بلا شك، وواحدا صحيحا بلا شك. أما الثلاثة الباطلة فالأول منها تركها كلها، ووجه بطلانه واضح، لأن عدم الاشتغال بالتقدم المادي يؤدي إلى الضعف الدائم، والتواكل والتكاسل، ويخالف الأمر السماوي في قوله جل وعلا
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
الأنفال 60 الآية.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
القسم الثاني من الأقسام الباطلة - أخذها، لأن ما فيها من الانحطاط الخلقي وضياع القيم الروحية والمثل العليا للإنسانية - أوضح من أن أبينه. ويكفي في ذلك ما فيها من التمرد على نظام السماء، وعدم طاعة خالق هذا الكون جل وعلا
ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون
يونس 59.
أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله
الشورى 21. والقسم الثالث من الأقسام الباطلة - هو أخذ الضار وترك النافع، ولا شك أن هذا لا يفعله من له اقل تمييز. فتعينت صحة القسم الرابع بالتقسيم والسبر الصحيح، وهو أخذ النافع وترك الضار. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يفعل، فقد انتفع بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، مع أن ذلك خطة عسكرية كانت للفرس، أخبره بها سلمان فأخذ بها. ولم يمنعه من ذلك أن أصلها للكفار. وقد هم صلى الله عليه وسلم بأن يمنع وطء النساء المراضع خوفا على أولادهن، لأن العرب كانوا يظنون أن الغيلة وهي وطء المرضع تضعف ولدها وتضره، ومن ذلك قول الشاعر