تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد تخصيص مجاز قبلي الإضمار فالنقل على المعول

ومعنى البيت أن المقدم عندهم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل. مثال تقديم التخصيص على المجاز إذا احتمل اللفظ كل واحد منهما - قوله تعالى

فاقتلوا المشركين

التوبة 5 يحتمل التخصيص، لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليل مخصص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنه مجاز مرسل، أطلق فيه وأراد البعض. فيقدم التخصيص لأمرين أحدهما - أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز الثاني - أن اللفظ يبقى مستصحبا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة.

ومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما - قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنا أنت أبي، يحتمل أنه مجاز مرسل، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق. لأن الأبوة يلزمها العتق. ويحتمل الإضمار. أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. فعلى الأول يعتق. وعلى الثاني لا يعتق. ومن أمثلته المسألة التي نحن بصددها. ومثال تقديم الإضمار على النقل عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما قوله تعالى

وحرم الربا

البقرة 275 يحتمل الإضمار. أي أخذ الربا وهو الزيادة في بيع درهم بدرهمين مثلا. وعلى هذا لو حذف الدرهم الزائد لصح البيع في الدرهم بالدرهم. ويحتمل نقل الربا إلى معنى العقد. فيمتنع عقد بيع الدرهم بالدرهمين. ولو حذف الزائد فلا بد من عقد جديد مطلقا. قال مقيدة عفا الله عنه وعلى هذين الوجهين اللذين ذكروهما في " له علي ألف دينار إلا ثوبا " وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا، لأن قيمة الثوب من جنس الألف التي أقر بها. سواء قلنا إن القيمة مضمرة، أو قلنا إنها معبر عنها بلفظ الثوب. التنبيه الثالث اعلم أن الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظي. لأن الذين منعوه لم يمنعوه بالكلية، وإنما قالوا إنه ليس من الاستثناء الحقيقي، لأن أداة الاستثناء فيه بمعنى لكن، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلى الاستثناء. وبعض القائلين بالاستثناء المنقطع يقول إن الثوب في المثال المتقدم لغو، ويعد ندما من المقر بالألف. والنسبة بين الاستثناء المتصل والمنقطع عند القائلين به قيل إنها نسبة تواطؤ. وقيل إنها من قبيل الاشتراك. وإلى مسألة الاستثناء المنقطع والفرق بينه وبين المتصل أشار في مراقي السعود بقوله

والحكم بالنقيض للحكم حصل لما عليه الحكم قبل متصل وغيره منقطع ورجحا جوازه وهو مجاز أوضحا فلتنم ثوبا بعد ألف درهم الحذف والمجاز أو للندم وقيل بالحذف لدى الإقرار والعقد معنى الواو فيه جار بشركة وبالتواطي قالا بعض وأوجب فيه الاتصالا

وما ذكرنا من أن الاستثناء في قوله تعالى ﴿ لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ﴾ منقطع هو الظاهر. وقيل هو من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول نابغة ذبيان

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

وقول الآخر

فما يك في من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفصيل

وعلى هذا القول فالآية كقوله

وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا

الأعراف 126 الآية، وقوله

وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله

التوبة 74 ونحو ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة " براءة ". وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ فيه سؤال معروف، وهو أن يقال ما وجه ذكر البكرة والعشي، مع أن الجنة ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة الأول - أن المراد بالبكرة والعشي قدر ذلك من الزمن، كقوله

غدوها شهر ورواحها شهر

سبأ 12 أي قدر شهر. وروي معنى هذا عن ابن عباس، وابن جريح وغيرهما. الجواب الثاني - أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغبة لهم وإن كان ما في الجنة أكثر من ذلك. ويروى هذا عن قتادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير. الجواب الثالث - أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح، كما يقول الرجل أنا عند فلان صباحا ومساء، وبكرة وعشيا. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين. الجواب الرابع - أن تكون البكرة هو الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. والعشي هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم، لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال. وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول. الجواب الخامس - هو ما رواه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٢٤