ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا
آل عمران41اه منه. ورواية الباجي هذه عليها أهل المذهب. ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أن إشارة الأخرس تقوم مقام كلام الناطق في تصرفاته، كإعتاقه وطلاقه، وبيعه وشرائه، ونحو ذلك. أما السليم فلا تقبل عنده إشارته لقدرته على النطق. وإشارة الأخرس بقذف زوجته لا يلزم عنده فيها حد ولا لعان. لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وعدم التصريح شبهة عنده. لأن الإشارة قد يفهم ما لا يقصد المشير. ولأن أيمان اللعان لها صيغ لا بد منها ولا تحصل بالإشارة وكذلك عنده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا حد ولا لعان عنده. لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته، ولأنها لا يمكنها الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان. وكذلك عنده القذف لا يصح من الأخرس. لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وقال بعض العلماء من الحنفية إن القياس منع اعتبار إشارة الأخرس، لأنها لا تفهم كالنطق في الجميع، وأنهم أجازوا العمل بإشارة الأخرس في غير اللعان والقذف على سبيل الاستحسان، والقياس المنع مطلقا. ومذهب الشافعي في هذه المسألة اعتبار إشارة الأخرس في اللعان وغيره. وعدم اعتبار إشارة السليم. وأما مذهب الإمام أحمد - فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا لعان إن كان أحد الزوجين أخرس، كما قدمنا توجيهه في مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي وأبو الخطاب إن فهمت إشارة الأخرس فهو كالناطق في قذفه ولعانه. وأما طلاق الأخرس ونكاحه وشبه ذلك فالإشارة كالنطق في مذهب الإمام أحمد. وأما السليم - فلا تقبل عنده إشارته بالطلاق ونحوه. هذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في هذه المسألة. وقد رأيت ما جاء فيها من أدلة الكتاب والسنة. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له الذي يظهر رجحانه في المسألة أن الإشارة إن دلت على المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقا، ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع، فإن كانت فيه فلا تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان، فإن الله نص عليها بصورة معينة. فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها وكجميع الألفاظ المتعبد بها فلا تكفي فيها الإشارة، و الله جل وعلا أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ إني نذرت للرحمن صوما ﴾ أي إمساكا عن الكلام في قول الجمهور. والصوم في اللغة الإمساك، ومنه قول نابغة ذبيان.
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
فقوله " خيل صيام " أي ممسكة عن الجري. وقيل عن العلف، " وخيل غير صائمة " أي غير ممسكة عما ذكر وقول امرىء القيس.
كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل
فقوله " في مصامها " أي مكان صومها، يعنى إمساكها عن الحركة. وهذا القول هو الصحيح في معنى الآية. أن المراد بالصوم الإمساك عن الكلام، بدليل قوله بعده ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ابن حجر في الفتح في باب اللعان. وقد ثبت من حديث أبي كعب وأنس بن مالك أن معنى قوله تعالى ﴿ إني نذرت للرحمن صوما ﴾ أي صمتا. أخرجه الطبراني وغيره اه. وقال بعض العلماء المراد بالصوم في الآية هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى
كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم
البقرة183. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول. وعليه فهذا النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيا كان جائزا في شريعتهم. أما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به. قال البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن عكرمة
" عن ابن عباس قال بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. " مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صومه "