تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن حجر في " فتح الباري " في الكلام على قول البخاري باب " كراهية الصلاة في المقابر " في حديث أبي سعيد هذا رواه أبو داود والترمذي ورجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان. وقال الشوكاني رحمه الله " في نيل الأوطار " صححه الحاكم في المستدرك وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد إلى صحته. قال مقيده عفا الله عنه التحقيق أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله، وثبت موصولا من طريق صحيحة حكم بوصله، ولا يكون الإرسال في الرواية الأخرى علة فيه. لأن الوصل زيادة وزيادات العدول مقبولة. وإليه الإشارة بقول صاحب " مراقي السعود "

والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ

ومن أدلة من قال تصح الصلاة في القبور - ما رواه الشيخان

" من حديث أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا فقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال " أفلا آذنتموني " قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها. ثم قال " هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم ". وليس للبخاري " إن هذه القبور مملوءة ظلمة "

إلى آخر الخبر قالوا فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر. ومن أدلتهم أيضا - ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا. ومن أدلتهم أيضا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى على قبر. ومن أدلتهم أيضا - ما قدمنا من الصلاة على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وسط البقيع، وهذه الأدلة يستدل بها على جواز الصلاة إلى القبور وصحتها.

لا مطلق صحتها دون الجواز. ومن أدلتهم - ما ذكره البخاري تعليقا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ " ورأى عمر أنس بن مالك رضي الله عنه يصلي عند قبر. فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة " اه. وقال ابن حجر في الفتح أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة. والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري. ولفظه " بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر القبر القبر! فظن أنه يعني القمر. فلما رأى أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى " وله طرق أخرى بينتها في تعليق التعليق. منها من طريق حميد عن أنس نحوه، زاد فيه فقال بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه. وقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير. وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة. ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اه منه بلفظه. قال مقيده عفا الله عنه هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة، ومعلوم أن الجمع واجب إذا أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح، وفي هذه المسألة يجب الجمع والترجيح معا. أما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة إلى القبور كلها في الصلاة على الميت وليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور. ولا يفيد شيء من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود. ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر. نعم تتعارض تلك الأدلة مع ظاهر عموم

" لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها "

فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة، فيشمل الصلاة على الميت، فيتحصل أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو عنده بل العكس. أم الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة. والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل على الجواز، وللمخالف أن يقول لا يتعارض عام وخاص. فحديث " لا تصلوا إلى القبور " عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت. والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة والخاص يقضى به على العام. فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقا للعنه صلى الله عليه وسلم لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من الأدلة - وأن الصلاة على القبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع والسجود تصح لفعله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس وأنس ويومىء لهذا الجمع حديث لعن متخذي القبور مساجد لأنها أماكن السجود.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٣١