تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر ولعن من اتخذ المساجد عليها، وهي ظاهرة جدا في التحريم. أما البطلان فمحتمل، لأن النهي يقتضي الفساد لقوله صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "

والصلاة في المقابر منهي عنها، فليست من أمرنا فهي رد. ويحتمل أن يقال الصلاة من أمرنا فليست ردا، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمرنا.

كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان إحداهما مأمور به منها ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها ككونه في موضع نهي أو وقت نهي أو أرض مغصوبة أو بحرير أو ذهب ونحو ذلك فإنهم يقولون إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه. ولكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر ليست منفكة كالعكس، فيقول الحنبلي مثلا الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي. لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزا من الفراغ ليس مملوكا له، فنفس شغله له ببدنه أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربه بحال. فيقول المعترض كالمالكي والشافعي الجهة منفكة هنا لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ومن حيث كونه غصبا حرام، فله صلاته وعليه غصبه كالصلاة بالحرير. وإلى هذه المسألة وأقوال العلماء فيها أشار في مراقي السعود بقوله

دخول ذي كراهة فيما أمر به بلا قيد وفصل قد حظر فنفى صحة ونفى الأجر في وقت كره للصلاة يجري وإن يك النهي عن الأمر انفصل فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل وذا إلى الجمهور ذو انتساب وقيل بالأجر مع العقاب وقد روى البطلان والقضاء وقيل ذا فقط له انتفاء مثل الصلاة بالحرير والذهب أو في مكان الغصب والوضو انقلب ومعطن ومنهج ومقبره كنيسة وذي حميم مجزره

وأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضا، بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها "

هذا لفظ مسلم. وفي لفظ له أيضا

" لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها "

والقاعدة المقررة في الأصول أن النهي يقتضي التحريم. فأظهر الأقوال دليلا منع الصلاة في المقبرة وإلى القبر، لأن صيغة النهي المتجردة من القرائن تقتضي التحريم. أما اقتضاء النهي الفساد إذا كان للفعل جهة أمر وجهة نهي ففيه الخلاف الذي قدمناه آنفا وإن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد. وقال صاحب المراقي في اقتضاء النهي الفساد

وجاء في الصحيح للفساد إن لن يجى الدليل للسداد

وقد نهى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح عن الصلاة إلى القبور وقد قال

" وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه "

وقال تعالى

وما نهاكم عنه فانتهوا

الحشر 7 وقد قدمنا أن لعنه صلى الله عليه وسلم من اتخذ القبور مساجد يدل دلالة واضحة على التحريم. واحتج من قال بصحة الصلاة في المقابر وإلى القبور بأدلة منها عموم قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح

" وجعلت لي الأرض مسجدا "

الحديث. قالوا عمومه يشمل المقابر ويجاب عن هذا الاستدلال من وجهين أحدهما أن أحاديث النهي منه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة وإلى القبر خاصة، وحديث

" جعلت لي الأرض مسجدا "

عام، والخاص يقتضي به على العام كما تقرر في الأصول عند الجمهور. والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى من عموم كون الأرض مسجدا المقبرة والحمام، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٣٠