ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا
نوح 15-16 فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى السماء، ولم يبق لبس في أن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى
فليمدد بسبب إلى السمآء
الحج 15 الآية. وقد قال الشاعر
وقد يسمى سماء لكل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
لتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق. لأن الضمير في قوله
وجعل القمر فيهن
نوح 16 راجع إلى السبع الطباق وإطلاق المجموع مرادا بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب. ومن أصرح أدلته قراءة حمزة والكسائي
فإن قاتلوكم فاقتلوهم
البقرة 191 من القتل في الفعلين. لأن من قتل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، كما هو ظاهر. وقال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى
وجعل القمر فيهن نورا
نوح 16. وصح كون السموات ظرفا للقمر. لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه المظروف. تقول زيد في المدينة، وهو في جزء منها. واعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق. لأن لفظة ﴿ جعل ﴾ في الآية هي التي بمعنى صير، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك جعلت الطين خزفا، والحديد خاتما، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله ﴿ وجعل القمر فيهن نورا ﴾ فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره، لأنه لو أريد ذلك لقيل وجعل نور القمر فيهن أما قوله ﴿ وجعل القمر فيهن نورا ﴾ فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله
تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا
الفرقان 61 وصرح في سورة الحجر في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم ﴾ الحجر16-17 وما يزعمه بعض الناس من أنه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله
ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير
الشورى 29 يقال فيه إن المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر، كما أطبق عليه المفسرون.
ويدل له قوله تعالى
وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون
الأنعام 38. ويوضح ذلك تسمية يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى
يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن
التغابن 9 الآية. وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم القيامة، كقوله
ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود
هود 103 وقوله
قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم
الواقعة 49-50 وقوله
الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه
النساء 87 وقوله
ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا
الفرقان 25 وقوله
وجآء ربك والملك صفا صفا
الفجر 22 وقوله
وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
الكهف47. مع أن بعض العلماء قال المراد ما بث من الداوب في الأرض فقط، فيكون من إطلاق المجموع مرادا بعضه، وهو كثير في القرآن وفي لسان العرب، وبعضهم قال المراد بدواب السماء الملائكة زاعما أن الدبيب يطلق على كل حركة. قال مقيده - عفا الله عنه ظاهر الآية الكريمة أن الله بث في السماء دواب كما بث في الأرض دواب. ولا شك أن الله قادر على جمع أهل السموات وأهل الأرض وعلى كل شيء، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بينت أن المراد بجمعهم حشرهم جميعا يوم القيامة، وقد أطبق على ذلك المفسرون ولو سلمنا تسليما جدليا أنها تقول على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء بل يجوز عقلا أن يتحدر من في السماء إلى من في الأرض لأن الهبوط أهون من الصعود وما يزعمه من لا علم عنده بكتاب الله تعالى من أن قوله جل وعلا