تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا حققت هذا، فاعلم أن الآية الكريمة، على القول بأنها جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين طرفيها ألبتة بحال على واحد من القولين اللذين لا ثالث لهما إلا على وجه محذور لا يصح القول به بحال.

وإيضاح ذلك أنه على القول الأخير، أن مصب الصدق والكذب، في الشرطيات إنما هو التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك.

فمعنى الآية عليه باطل بل هو كفر.

لأن معناه أن كونه أول العابدين يشترط فيه أن يكون للرحمن ولد، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.

لأن مفهوم الشرط أنه إن لم يكن له ولد، لم يكن أول العابدين، وفساد هذا المعنى كما ترى.

وأما على القول الأول الذي هو الصحيح أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين طرفي الشرطية.

فإنه على القول بأن الآية الكريمة جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين طرفيها ألبتة أيضا، إلا على وجه محذور لا يجوز المصير إليه بحال، لأن كون المعبود ذا ولد، واستحقاقه هو، أو ولده العبادة، لا يصح الربط بينهما ألبتة إلا على معنى هو كفر بالله، لأن المستحق للعبادة لا يعقل بحال أن يكون ولدا أو والدا.

وبه تعلم أن الشرط المزعوم في قوله ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ إنما يعلق به محال لاستحالة كون الرحمن ذا ولد.

ومعلوم أن المحال لا يعلق عليه إلا المحال.

فتعليق عبادة الله التي هي أصل الدين على كونه ذا ولد ظهور فساده كما ترى، وإنما تصدق الشرطية في مثال هذا لو كان المعلق عليه مستحيلا، فادعاء أن (إن) في الآية شرطية مثل ما لو قيل: لو كان معه آلهة لكنت أول العابدين له، وهذا لا يصدق بحال، لأن واحدا من آلهة متعددة، لا يمكن أن يعبد، فالربط بين طرفيها مثل هذه القضية لا يصح بحال.

ويتضح لك ذلك بمعنى قوله:

وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض

[المؤمنون: 91] الآية.

فإن قوله إذا: أي لو كان معه غيره من الآلهة، لذهب كل واحد منهم بما خلق واستقل به، وغالب بعضهم بعضا ولم ينتظم للسماوات والأرض نظام ولفسد كل شيء.

كما قال تعالى:

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا

[الأنبياء: 22]، وقوله تعالى:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42] على الصحيح الذي هو الحق من التفسيرين.

ومعنى ابتغائهم إليه تعالى سبيلا هو طلبهم طريقا إلى مغالبته كما يفعله بعض الملوك مع بعضهم.

والحاصل: أن الشرط إن علق به مستحيل فلا يمكن أن يصح الربط بينه وبين الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلا أيضا لأن الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل.

أما كون الشرط مستحيلا والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر. فهذا مما لا يصح بحال.

ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه.

ولا شك في أن كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط وصحة تاليها الذي هو الجزاء لا يصح التمثيل بها لهذه الآية بوجه من الوجوه، وأن ما ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك، وإيضاح ذلك أن كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند إزالة الربط لا بد أن يكون موجب ذلك فيها أحد أمرين لا ثالث لهما ألبتة.

وكلاهما يكون الصدق به من أجل أمر خاص لا يمكن وجود مثله في الآية الكريمة التي نحن بصددها، بل هو مناقض لمعنى الآية.

والاستدلال بوجود أحد المتناقضين على وجود الآخر ضروري البطلان.

ونعني بأول الأمرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية أصلا.

وبالثاني منهما كون الصدق المذكور، من أجل خصوص المادة.

ومعلوم أن الصدق من أجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات، وأنه في حكم الكذب لعدم اضطراده، لأنه يصدق في مادة ويكذب في أخرى.

والمعتبر إنما هو الصدق اللازم المضطرد، الذي لا يختلف باختلاف المادة بحال.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٦١