تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عرفت دلالة الوحي على بطلان ذلك، وأن قوله

متوفيك

[آل عمران: 55] لا يدل على موته فعلا.

وقد رأيت توجيه ذلك من أربعة أوجه، وأنه على المقرر في الأصول، في المذاهب الثلاثة التي ذكرنا عنهم، ولا إشكال في أنه لم يمت فعلا.

أما على القول بتقديم الحقيقة اللغوية فالأمر واضح، لأن الآية على ذلك لا تدل على الموت.

وأما على القول بالإجمال، فالمقرر في الأصول أن المحمل، لا يحمل على واحد من معنييه، ولا معانيه بل يطلب بيان المراد منه، بدليل منفصل.

وقد دل الكتاب هنا والسنة المتواترة على أنه لم يمت وأنه حي.

وأما على القول بتقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، فإنه يجاب عنه من أوجه:

الأول: أن التوفي محمول على النوم، وحمله عليه يدخل في اسم الحقيقة العرفية.

والثاني: أنا وإن سلمنا أنه توفي موت، فالصيغة لا تدل على أنه قد وقع فعلا.

الثالث: أن القول المذكور بتقديم العرفية، محله فيما إذا لم يوجد دليل صارف، عن إرادة العرفية اللغوية، فإن دل على ذلك دليل وجب تقديم اللغوية قولا واحدا.

وقد قدمنا مرارا دلالة الكتاب والسنة المتواترة على إرادة اللغوية هنا دون العرفية.

واعلم بأن القول بتقديم اللغوية على العرفية، محله فيما إذا لم تتناس اللغوية بالكلية، فإن أميتت الحقيقة اللغوية بالكلية، وجب المصير إلى العرفية إجماعا، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:

أجمع إن حقيقة تمات

على التقدم له الإثبات

فمن حلف ليأكلن من هذه النخلة، فمقتضى الحقيقة اللغوية، أنه لا يبر يمينه حتى يأكل من نفس النخلة لا من ثمرتها.

ومقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من نفس جذعها.

والمصير إلى العرفية هنا واجب إجماعا، لأن اللغوية في مثل هذا أميتت بالكلية.

فلا يقصد عاقل ألبتة الأكل من جذع النخلة.

أما الحقيقة اللغوية في قوله تعالى:

إني متوفيك

[آل عمران: 55] فإنها ليست من الحقيقة المماتة كما لا يخفى.

ومن المعلوم في الأصول أن العرفية تسمى حقيقة عرفية ومجازا لغويا، وأن اللغوية تسمى عندهم حقيقة لغوية، ومجازا عرفيا.

وقد قدمنا مرارا أنا أوضحنا أن القرآن الكريم لا مجاز فيه على التحقيق في رسالتنا المسماة " منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز ".

فاتضح مما ذكرنا كله أن آية الزخرف هذه تبينها آية النساء المذكورة، وأن عيسى لم يمت وأنه ينزل في آخر الزمان وإنما قلنا إن قوله تعالى هنا: ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ أي علامة ودليل على قرب مجيئها، لأن وقت مجيئها بالفعل لا يعلمه إلا الله.

وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك مرارا.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ أي لا تشكن في قيام الساعة فإنه لا شك فيه.

وقد قدمنا الآيات الموضحة له مرارا كقوله تعالى:

وأن الساعة آتية لا ريب فيها

[الحج: 7]. وقوله:

وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير

[الشورى: 7]. وقوله

ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه

[الأنعام: 12] وقوله

فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه

[آل عمران: 25] إلى غير ذلك من الآيات.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٥٢