وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ أآلهتنا خير أم هو ﴾؟
التحقيق أن الضمير في قوله ﴿ هو ﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى.
قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى.
وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عبد من دون الله، ولم يكن ذلك سببا لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار.
وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم.
والمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك وأنت تزعم أنه في النار، بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
[الأنبياء: 98].
وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله، من أنا وآلهتنا، في النار ليس بحق أيضا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ بل هم قوم خصمون ﴾ أي لد، مبالغون في الخصومة، بالباطل، كما قال تعالى:
وتنذر به قوما لدا
[مريم: 97] أي شديدي الخصومة.
وقوله تعالى:
وهو ألد الخصام
[البقرة: 204]، لأن الفعل بفتح فكسر كخصم، من صيغ المبالغة، كما هو معلوم في محله.
وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا
ولما ضرب ابن مريم مثلا
[الزخرف: 57] الآية إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه.
ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها.
فعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلا لأصنامهم، في دخول النار، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم
[الأنبياء: 98] لأنها لما نزلت قالوا إن عيسى عبد من دون الله كآلهتهم فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء.
وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفا.
وعلى القول الثاني أنهم ضربوا عيسى مثلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، في أن عيسى قد عبد، وأنه صلى الله عليه وسلم، يريد أن يعبد كما عبد عيسى، فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى:
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب
[آل عمران: 59] وسماعهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد بالمثل.
وأما الآيات التي بينت قوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلا ﴾ [الزخرف: 58] فبيانها له واضح على كلا القولين. والعلم عند الله تعالى.