تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال قوم صالح، مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى منهم

أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر

[القمر: 25].

فقلوب الكفار متشابهة فكانت أعمالهم متشابهة.

كما قال تعالى

كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم

[البقرة: 118] وقال تعالى

أتواصوا به بل هم قوم طاغون

[الذاريات: 53].

وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم، فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام في قوله تعالى:

وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله

[الأنعام: 124] وقوله تعالى في المدثر

بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة

[المدثر: 52].

أي تنزل عليه صحف بالوحي من السماء، كما قال مجاهد وغير واحد، وهو ظاهر القرآن.

وفي الآية قول آخر معروف.

وأما إنكاره تعالى عليهم، اقتراح إنزال الوحي على غير محمد صلى الله عليه وسلم، الذي دلت عليه همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار لتجهيلهم، وتسفيه عقولهم، في قوله: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ [الزخرف: 32]. فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام.

لأنه تعالى لما قال

وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله

[الأنعام: 124] أتبع ذلك بقوله، ردا عليهم، وإنكارا لمقالتهم

الله أعلم حيث يجعل رسالته

[الأنعام: 124].

ثم أوعدهم على ذلك بقوله

سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون

[الأنعام: 124].

وأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم، فقد جاء في مواضع أخر كقوله تعالى:

والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء

[النحل: 71]. وقوله تعالى

انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا

[الإسراء: 21] وقوله تعالى:

الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر

[الرعد: 26] وقوله تعالى:

ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير بصير

[الشورى: 27] وقوله تعالى:

إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما

[النساء: 135] الآية.

وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل، والتفاوت في الأرزاق، والحظوظ والقوة والضعف، ونحو ذلك، بقوله هنا ﴿ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ﴾ [الزخرف: 32]، كما تقدم.

وقوله تعالى هنا ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾. يعني أن النبوة، والاهتداء يهدي الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم القيامة، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها.

وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى، في غير هذا الموضع، كقوله في سورة يونس

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

[يونس: 58] وقوله تعالى في آل عمران

ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون

[آل عمران: 157].

مسألة

دلت هذه الآيات الكريمة، المذكورة هنا، كقوله تعالى: ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم ﴾ [الزخرف: 32] الآية. وقوله

والله فضل بعضكم على بعض في الرزق

[النحل: 71] الآية ونحو ذلك من الآيات، على أن تفاوت الناس في الأرزاق، والحظوظ سنة، من سنن الله السماوية الكونية، القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض، البتة تبديلها، ولا تحويلها، بوجه من الوجوه،

فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا

[فاطر: 43].

وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع النبوات، والرسائل السماوية، إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص، عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس، في معايشهم أمر باطل. لا يمكن بحال من الأحوال.

مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون. وإنما يقصدون استئثارهم، بأملاك جميع الناس، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها، كيف شاءوا، تحت ستار كثير من أنواع الكذب، والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم، وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٣٩