تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء.

ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم.

أما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات لأن قوله تعالى

ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين

[السجدة: 6-8] ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما لا يخفى.

والألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظا ذكرنا خمسة منها وهي: الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات وواحد بخلاف ذلك وهو الولد.

وأما الستة الباقية منها فهي الآل والأهل ومعناهما واحد.

والقرابة والعشيرة والقوم والموالي، وكلام العلماء فيها مضطرب.

ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه إلا على سبيل التقريب إلا لفظين منها وهما القرابة والعشيرة.

أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم

" أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل "

مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى

فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى

[الأنفال: 41] كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس هذه.

وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه لما نزلت

وأنذر عشيرتك الأقربين

[الشعراء: 214] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي

" يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا "

الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد العاشر له صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية أبي هريرة في الصحيح. أنه لما نزلت الآية المذكورة قال

" يا معشر قريش أو كلمة نحوها "

الحديث، وقريش هم أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة، والأول هو الأظهر لحديث ابن عباس المذكور وعليه الأكثر.

تنبيه

[فإن قيل] ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ البنين والشاعر يقول في خلاف ذلك:

بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا

بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور، على سبيل التسليم له، قالوا: ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين، ربما كانوا أعداء لأهل أمهاتهم وكثيرا ما يتبع الولد أباه وعصبته، في عداوة أخواله وبغضهم كما هو معلوم.

[فالجواب] أن الواحد بالشخص له جهتان، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به، وهذا المعنى منفي عن والد أمه، فلا يقال له ابن بهذا الاعتبار وثابت لأبيه الذي خلق من مائه، وله جهة أخرى هي كونه خارجا في الجملة من هذا الشخص، سواء كان بالمباشرة، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت، وهذا المعنى هو الذي عناه صلى الله عليه وسلم في قوله في الحسن بن علي رضي الله عنهما

" إن ابني هذا سيد "

الحديث وهو المراد في الآيات القرآنية كقوله تعالى:

حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم

[النساء: 23] وقوله تعالى

وبنات الأخ وبنات الأخت

[النساء: 23] وكقوله تعالى:

لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن

[الأحزاب: 55] الآية.

فلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين والبنات وإن سفلوا، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور، وهو إطلاق لفظ الابن على كل من خرج من الشخص في الجملة، ولو بواسطة بناته.

وأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول.

فإن بني البنات، ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة، ولا بذلك الاعتبار لأنهم لم يخلقوا من مائهم، وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين، ربما كانوا أباعد وربما كانوا أعداء.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٣٦