تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي

المجادلة 21 الآية، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن ومر عليك أن الله جعل المقتول قسما مقابلا للغالب في قوله

ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب

النساء 74 وصرح تعالى بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا

ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين

الأنعام 34 ولا شك أن قوله تعالى

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي

المجادلة 21 من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها وقد نفى جل وعلا عن المنصور أن يكون مغلوبا نفيا باتا بقوله

إن ينصركم الله فلا غالب لكم

آل عمران 160 وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى ﴿ كتب الله لأغلبن ﴾ الآية أن بعض الناس قال أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا الروم، وفارس، كما غلبوا العرب زاعما أن الروم وفارس لا يغلبهم النبي صلى الله عليه وسلم لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان. لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها، ويدل له قوله قبله

أولئك في الأذلين

المجادلة 20 وقوله بعده

إن الله قوي عزيز

المجادلة 21. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب، أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة، فيشهد للبيان الذي بينا به، أن نائب الفاعل ﴿ ربيون ﴾ آل عمران 146 وأن بعض القراء غير السبعة قرأ ﴿ قاتل معه ربيون ﴾ آل عمران 146 بالتشديد. لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين. ولهذه القراءة رجح الزمخشري، والبيضاوي، وابن جنى.

أن نائب الفاعل ﴿ ربيون ﴾ آل عمران 146 ومال إلى ذلك الألوسي في تفسيره مبينا أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل على النبي. لأن ﴿ وكأين ﴾ آل عمران 146 إخبار بعدد كثير أي كثير من أفراد النبي قتل خلاف الظاهر، وهو كما قال، فإن قيل قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور محتمل لأمرين، وقد ادعيتم أن القرآن دل على أنه ﴿ ربيون ﴾ آل عمران 146 لا ضمير النبي لتصريحه بأن الرسل غالبون، والمقتول غير غالب، ونحن نقول دل القرآن في آيات أخر، على أن نائب الفاعل ضمير النبي، لتصريحه في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله

ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون

البقرة 87 وقوله

قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم

آل عمران 183 الآية، فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب ﴿ ربيون ﴾ على ما استدللنا به على أن النائب ضمير النبي فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به، والأخص مقدم على الأعم، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول، وإيضاحه أن دليلنا في خصوص نبي أمر بالمغالبة في شيء، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقا لربنا في قوله

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي

المجادلة 21 سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان، أم بالسيف والسنان، ودليلكم فيما هو أعم من هذا. لأن الآيات التي دلت على قتل بعض الرسل، لم تدل على أنه في خصوص جهاد، بل ظاهرها أنه في غير حهاد، كما يوضحه. الوجه الثاني وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء الله كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم، في غير جهاد، ومقاتله إلا موضع النزاع وحده. الوجه الثالث أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل ﴿ ربيون ﴾ تتفق عليه آيات القرآن اتفاقا واضحا، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته، ولم تتصادم منه آيتان، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد، فقتله إذن لا إشكال فيه، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله. لأن الله حكم للرسل بالغلبة، والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء، ولو أمر بها في شيء لغلب فيه، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النبي لصار المعنى أن كثيرا من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة ﴿ وكأين ﴾ آل عمران 146 المميزة بقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٣١