تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* إذا رأى غير شيء ظنه رجلا *

- أن الشيء لا ينطلق إلا على الموجود، إذ لو كان الشيء كل ما يصح أن يعلم، عدما كان أو وجودا، أو ممكنا أو مستحيلا، لما صدق على أمر ما أنه ليس بشيء، والأمر في ذلك قريب. انتهى.

هذا، وتمسك من منع إطلاقه عليه تعالى بقوله تعالى:

ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها

[الأعراف: 180]، والاسم إنما يحسن لحسن مسماه، وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال، ونعت من نعوت الجلال. ولفظ (الشيء) أعم الأشياء، فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها. ومتى كان كذلك، لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال، فوجب ألا يجوز دعوة الله بهذا الاسم؛ لأنه ليس من الأسماء الحسنى، وقد أمر تعالى بأن يدعى بها. وأجيب: بأن كونه ليس من الأسماء الحسنى، لكونها توقيفية، وكونه لا يدعى به لعدم وروده - لا ينافي شموله للذات العلية، شمول العام. والمراد بإطلاقه عليه تعالى (فيما تقدم) شموله، لا تسميته به. وبالجملة، فلا يلزم من كونه ليس من الأسماء الحسنى، ألا يشمل الذات المقدسة شمولا كليا، كيف؟ وهو الموضوعات العامة. والتحاكم للغويين في ذلك - كما قدمنا -.

الثانية: ما أسلفنا من أن المعني بالشهادة هو شهادته تعالى في ثبوت النبوة له صلى الله عليه وسلم، هو الذي جنح إليه الأكثر. وكأن مشركي مكة طلبوا منه صلى الله عليه وسلم شاهدا على نبوته. فقيل لهم: أكبر شيء شهادة هو الله تعالى، وقد شهد لي بالنبوة، لأنه أوحى إلي هذا القرآن، وتحداكم بمعارضته، فعجزتم، وأنتم أنتم في مقام البلاغة. وإذ كان معجزا، كان إظهاره تعالى إياه على وفق دعواي، شهادة منه على صدقي في النبوة.

ولبعضهم وجه آخر: وهو أن المعني، شهادته تعالى في ثبوت وحدانيته، وتنزهه عن الأنداد والأشباه. ويرشحه تتمة الآية، وهو قوله: ﴿ أئنكم لتشهدون... ﴾ إلخ وقوله:

شهد الله أنه لا إله إلا هو...

[آل عمران: 18]، وقوله تعالى:

فإن شهدوا فلا تشهد معهم

[الأنعام: 150]، مما يدل على أن الشهادة إنما عنى بها، في موارد التنزيل، ثبوت الوحدانية.

والقرآن يفسر بعضه بعضا - والله أعلم -.

الثالثة: إنما اقتصر على الإنذار في قوله: ﴿ لأنذركم به ﴾ لكون الخطاب مع كفار مكة، وليس فيهم من يبشر. أو اكتفى به عن ذكر البشارة على حد

سرابيل تقيكم الحر

[النحل: 81].

الرابعة: استدل بقوله تعالى: ﴿ لأنذركم به ومن بلغ ﴾ على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة، وإلى الجن.

الخامسة: استدل به أيضا على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل - عند الحنابلة -وبالإجماع عندنا في غير الموجودين، وفي غير المكلفين يومئذ - أفاده أبو السعود -.

السادسة: روى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ ومن بلغ ﴾: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه. ورواه ابن جرير عنه بلفظ: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم.

وروى عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله ".

وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر.

السابعة: دل قوله تعالى: ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وقوله: ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ على إثبات التوحيد بأعظم طرق البيان، وأبلغ وجوده التأكيد؛ لأن (إنما) تفيد الحصر، و (الواحد) صريح في نفي الشركاء. ثم صرح بالبراءة عن إثبات الشركاء. وقد استحب الشافعي لمن أسلم بعد إتيانه بالشهادتين، أن يتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام، لقوله: ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ عقب التصريح بالتوحيد.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٧٧