وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب
[الشورى: 51]، ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت:
وما تدري نفس ماذا تكسب غدا
[لقمان: 34]، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت:
يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك
[المائدة: 67] الآية ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين - أخرجه الشيخان والترمذي -.
وخالفها ابن عباس: فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده والمسألة تذكر مبسوطة في أول سورة النجم إن شاء الله تعالى.
ومن الناس من ذهب إلى أن الإدراك ليس هو مطلق الرؤية، بل هو معرفة الكنه أو الإحاطة.
قال ابن كثير: قال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك. فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنين، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.
وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم. قال تعالى:
ولا يحيطون به علما
[طه: 110]. وفي صحيح مسلم:
" لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "
ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. انتهى.
وقال النسفي: تشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب؛ لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود والجهات، يستحيل إدراكه، لا رؤيته، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم، ونفي الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود، لا يقتضي نفي العلم به، فكذا هذا.
على أن مورد الآية، وهو التمدح، يوجب ثبوت الرؤية، إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته. لا تمدح فيه؛ لأن كل ما لا يرى لا يدرك، وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية، إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية، دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات، فكانت الآية حجة لنا عليهم. انتهى.
وقد جود العلامة العضد في (المواقف) البحث في هذه الآية، ونقل شبه المنكرين فيها، وأجاب عنها. ونحن، لنفاسته، ننقل كلامه مع شرحه للسيد الشريف قدس سره، وبعض حواشيه، ونصه:
الأولى: من شبه المنكرين للرؤية السمعية قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصر ﴾:
1 - والإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية. فمعنى قولك: أدركته ببصري، معنى: رأيته. لا فرق إلا في اللفظ. أو هما أمران متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر، فلا يجوز: رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه. فالآية نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة، في جميع الأوقات، لأن قولك: فلان تدركه الأبصار، لا يفيد عموم الأوقات، فلا بد أن يفيده، ما يقابله، فلا يراه شيء من الأبصار، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لما ذكرنا.
2 - ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى، فإنه ذكره في أثناء المدائح. وما كان من الصفات عدمه مدحا، كان وجوده نقصا، يجب تنزيه الله عنه، فظهر أنه يمتنع رؤيته، وإنما قلنا: (من الصفات) احترازا عن (الأقفال)، كالعفو والانتقام، فإن الأول فضل، والثاني عدل، وكلاهما كمال. والجواب:
أما عن الوجه الأول في الاستدلال بالآية فمن وجوه:
الأول: أن الإدراك هو الرؤية، على نعت الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته النيل والوصول، و
إنا لمدركون
[الشعراء: 61] أي: ملحقون، و (أدركت الثمرة) أي: وصلت إلى حد النضج و (أدرك الغلام) أي: بلغ. ثم نقل إلى الرؤية المحيطة؛ لكونها أقرب إلى تلك الحقيقة. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة، أخص مطلقا من الرؤية المطلقة. فلا يلزم من نفي المحيطة عن الباري سبحانه، لامتناع الإحاطة، نفي المطلقة عنه. وقوله: (لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر) ممنوع، بل يصح أن يقال: رأيته وما أدركه بصري. أي: لم يحط به من جوانبه، وإن لم يصح عكسه.