تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق "

، وقال صلى الله عليه وسلم

" تفكر ساعة خير من عبادة سنة "

، ثم قال تعالى عز وجل: ﴿ ربنا ما خلقت هذا بطلا ﴾ أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا، عبثا بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن ﴿ سبحنك فقنا عذاب النار ﴾ يعني ادفع عذاب النار. وقال الزجاج: معنى سبحانك، أي تنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا، ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أي صدقنا رسلك، وسلمنا أن لك جنة ونارا، فقنا عذاب النار. ﴿ ربنا إنك من تدخل النار ﴾ ﴿ فقد أخزيته ﴾ أي أهنته وفضحته ﴿ وما للظلمين من أنصار ﴾ يعني ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم.

ويقولون أيضا: ﴿ ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمن ﴾ يعني محمدا يدعو إلى التصديق ﴿ أن ءامنوا بربكم ﴾ أي صدقوا بتوحيد ربكم " فآمنا " أي صدقنا بتوحيد ربنا. وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئتنا ﴾. وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك، وقال الضحاك: ذنوبنا: يعني ما عملوا في حال الجاهلية، " وكفر عنا سيئاتنا ". يعني: ما عملوا في حال الإسلام، ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد. ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة. ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي مع المطيعين " ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين " والصالحين. ويقولون أيضا: ﴿ ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك، ويقال هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله:

والملئكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض

[الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم - عليهم السلام - للمؤمنين، ثم قال تعالى: ﴿ ولا تخزنا يوم القيمة ﴾ يعني لا تعذبنا ويقال لا تخذلنا ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ فأخبر الله عن فعلهم وذكر ما أجابهم به، وأنجز لهم موعده، وبين لهم ثوابه وهو قوله: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾. روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى فاستجاب لهم ربهم ﴿ أني لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ يعني رجلا أو امرأة، قال: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدثنا أبو عبيد الله، قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، يقال له سلمة بن الأكوع عن أم سلمة، أنها قالت: يا رسول الله، إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النساء. فأنزل الله تعالى: ﴿ أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ ﴿ بعضكم من بعض ﴾ ، قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين، وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضا في الطاعة، ويقال: بعضكم على أثر بعض، ويقال: بعضكم على دين بعض. ﴿ فالذين هجروا ﴾ من مكة إلى المدينة ﴿ وأخرجوا من ديرهم ﴾ يعني أن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ أي عذبوا في طاعتي ﴿ وقاتلوا ﴾ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين ﴿ وقتلوا ﴾ أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي " وقتلوا وقاتلوا " على معنى التقديم والتأخير، كقوله تعالى:

إني متوفيك ورافعك

[آل عمران: 55] وقرأ الباقون: " وقاتلوا وقتلوا " إلا ابن كثير وابن عامر: قرءا " وقتلوا " بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم ثم ذكر ثوابهم، فقال: ﴿ لأكفرن عنهم سيئتهم ﴾ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ﴿ ثوابا من عند الله ﴾ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله وقال الزجاج: إنما صار نصبا، لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ولأثيبنهم ثوابا. وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصبا على التفسير، ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ أي حسن الجزاء وهو الجنة، ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

بحر العلوم · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٢٢٣