3.123-125
ثم ذكرهم أمر بدر فقال تعالى: ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ أي أعانكم الله ببدر ﴿ وأنتم أذلة ﴾ يعني قليلة. ﴿ فاتقوا الله ﴾ يعني اعرفوا هذه النعمة، واتقوا الله ولا تعصوه ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي لكي تشكروا الله. ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ يعني يوم أحد. ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة ءالاف من الملائكة منزلين ﴾ من السماء. يقول الله تعالى: ﴿ بلى إن تصبروا ﴾ مع نبيكم ﴿ وتتقوا ﴾ معصيته بالهزيمة ﴿ ويأتوكم من فورهم هذا ﴾ يعني العدو يأتوكم من وجوههم ﴿ يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ﴾ يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وفي أذنابها، عليهم البياض، قد أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم، فأنزل الله تعالى عليهم يوم بدر ثلاثة آلاف ووعد لهم يوم أحد خمسة آلاف، ولكنهم لما عصوا وتركوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجعوا عنهم، ولو أنهم صبروا لنزلت عليهم. قرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو: " مسومين " بكسر الواو، والباقون بالنصب ومعناهم قريب، وهو إرخاء أطراف العمائم بين الأكتاف وهذا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يوم بدر
" تسوموا فإن الملائكة قد تسومت ".
3.126
ثم قال تعالى: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى لكم ﴾ يعني: المدد من الملائكة. قال بعضهم: إن الملائكة لم تقاتل، وإنما بعثهم للبشارة، وتسكين قلوب المؤمنين، لأن في قتال الملائكة، لم يكن للمؤمنين فضيلة، وإنما كانت الفضيلة للمؤمنين إذ كانوا هم الذين يقاتلون، ويهزمون الكفار، ولو كان ذلك لأجل الإعانة، لكان ملك واحد يكفيهم، كما فعل بقوم لوط - ألا ترى أنه قال تعالى:
ويقللكم فى أعينهم
[الأنفال: 44] فجعل الفضيلة في قلتهم في أعين الكفار، ونصرتهم بالغلبة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وما جعله الله إلا بشرى لكم ﴾ ﴿ ولتطمئن قلوبكم به ﴾ يعني (تطمئن) إليه قلوبكم. وقال بعضهم: إن الملائكة كانوا يقاتلون [وكانت] علامة ضربهم في الكفار ظاهرة، لأن كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود: أنت ما قتلتني إنما قتلني الذي لم [يصل] سناني إلى سنبك فرسه، وإن اجتهدت. وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة، لتسكن قلوب المؤمنين، ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة، وكل عسكر من المسلمين صبروا واحتسبوا تأتيهم تلك الملائكة ويقاتلون معهم. ويقال: الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون، وثواب ذلك للذين يقاتلون يومئذ، وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى. ثم قال: ﴿ وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ﴾ يعني ليس بكثرة العدد ولا بقلته، ولكن النصر من الله تعالى كما قال في آية أخرى:
إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا
[التوبة: 25].