3.144
ثم قال تعالى: ﴿ وما محمد إلا رسول [قد خلت من قبله الرسل] ﴾. لأنهم هربوا حيث سمعوا بقتله فقال تعالى: ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ كسائر الرسل، ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾ ، أي رجعتم إلى دينكم الشرك، ﴿ ومن ينقلب على عقبيه ﴾ أي يرجع إلى الشرك بعد الإسلام ﴿ فلن يضر الله شيئا ﴾ يقول: لن ينتقص من ملكه وسلطانه شيئا، وإنما يضر نفسه ﴿ وسيجزي الله الشكرين ﴾ يعني الموحدين الله تعالى في الآخرة الجنة، ويقال: وسيجزي الله المؤمنين المجاهدين الجنة.
3.145-147
﴿ وما كان لنفس أن تموت ﴾ قبل أجلها ﴿ إلا بإذن الله ﴾ ﴿ كتبا مؤجلا ﴾ يقول: في موتها كتابا مؤجلا في اللوح، فلا يسبق أجله. وقال الزجاج: قوله كتابا مؤجلا، أي كتب كتابا ذا أجل، وهو الوقت المعلوم، وذكر الكتاب على معنى التأكيد [كقوله:
كتب الله عليكم
[النساء: 24] أي أن المحرمات مفروضة عليكم على معنى التأكيد]. وفي هذه الآية إبطال قول المعتزلة: لأنهم يقولون: إن من قتل فإنما يهلك قبل أجله وكل ما ذبح من الحيوان كان هالكا قبل أجله لأنه يجب على القاتل الضمان والدية، وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها. ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾. قال الكلبي: يعني يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض الله عليه " نؤته منها " يعني أعطاه الله ما يحب، وما له في الآخرة من نصيب ﴿ ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشكرين ﴾ في الآخرة. ومن الناس من قال: إن الرياء يدخل في النوافل، ولا يدخل في الفرائض لأن الفرائض واجبة على جميع الناس. وقال بعضهم: يدخل في الفرائض ولا يدخل في النوافل، لأنه لو لم يأت بها لا يؤاخذ بها، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه غير ذلك. وقال بعضهم: كلاهما سواء، فالرياء [يدخل] في الفرائض والنوافل جميعا، وهذا القول أصح، لقوله تعالى:
وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون الناس
[النساء: 142]. ثم إن الله تعالى أخبرهم بما لقيت الأنبياء والمؤمنون قبلهم (فعزاهم) ليصبروا فقال تعالى سبحانه: ﴿ وكأين من نبي ﴾ قرأ ابن كثير ﴿ وكأين ﴾ بعد الألف والهمزة، وقرأ الباقون بغير مد ومعناهما واحد، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " وكأين من نبي " " قتل " بضم القاف وكسر التاء، وقرأ الباقون: ﴿ قاتل ﴾ فمن قرأ " قاتل " فمعناه كم من نبي قاتل معه جموع كثيرة، ومن قرأ " قتل " معناه وكم من نبي قتل ﴿ معه ﴾ جماعة كثيرة، وقوله: ﴿ ربيون ﴾. قال الكلبي: الربية الواحدة من عشرة آلاف. وقال الزجاج: ها هنا قراءتان " ربيون " بضم الراء، [وربيون] بكسرها، فأما بالضم فهي الجماعة الكثيرة، عشرة آلاف، وأما الربيون بالكسر: العلماء الأتقياء الصبراء على ما يصيبهم في الله تعالى. ويقال: " وكأين من نبي قتل ". يعني: كم من نبي قتل وكان معه ربيون كثير ﴿ فما وهنوا ﴾ بعد قتله عن القتال، وما عجزوا بما نزل بهم من قتل أنبيائهم وأنفسهم ﴿ لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ﴾ لعدوهم ويقال: وما جبنوا [ثم قال]: ﴿ وما استكانوا ﴾ يقول: وما خضعوا لعدوهم، ولكنهم صبروا ﴿ والله يحب الصبرين ﴾ فكأنه يقول للمؤمنين فهلا قاتلتم مع نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وبعد قتله وإن قتل كما قاتلت القرون الماضية من قبلكم إذا أصيبت أنبياؤهم.
ثم أخبر عن قول الذين قاتلوا مع النبيين، فقال تعالى: ﴿ وما كان قولهم ﴾ عند قتل أنبيائهم ﴿ إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي هي دون الكبائر ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ أي العظائم من الذنوب ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ عند القتال ﴿ وانصرنا على القوم الكفرين ﴾ معناه، هلا قلتم كما قالوا، وقاتلتم كما قاتلوا. وقرأ بعضهم: " قولهم " بالضم والمعنى في ذلك أنه جعل القول اسم كان، فيكون معناه: وما كان قولهم إلا قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا. ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان، وجعل الإسم ما بعده.