3.38
﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ يقول: عند ذلك طمع في الولد، وكان آيسا من ذلك، وكان مفاتيح بيت القربان عند آبائه وقد صار ذلك بيده، وكان يخشى أن يخرج من أهل بيته إذا مات فقال عند ذلك: إن [الله] قادر على أن يأتيها برزق الشتاء في الصيف وبرزق الصيف في الشتاء، فهو قادر أن يرزق لي الولد بعد الكبر فذلك قوله تعالى: ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ ﴿ قال: رب هب لي من لدنك ﴾ أي من عندك ﴿ ذرية طيبة ﴾ أي من عندك تقية مهذبة، ويقال: مستوى الخلق، ويقال: مسلمة مطيعة، ويقال: تقية ﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ أي مجيب له.
3.39-40
﴿ فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي في المحراب ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء، [أي جبريل] عليه السلام وإنما صار مذكرا على معنى الجنس كما يقال: فلان ركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وقرأ الباقون " فنادته " على معنى التأنيث، لأن اللفظ لفظ الجماعة، والمراد به أيضا جبريل ﴿ أن الله يبشرك بيحيى ﴾. قرأ حمزة وابن عامر " إن الله يبشرك " بكسر الألف، ومعناه فنادته الملائكة وقالوا له إن الله يبشرك وقرأ الباقون بالنصب ومعناه: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى. قال مقاتل: اشتق اسمه من اسم الله تعالى والله تعالى حي فسماه الله تعالى يحيى، ويقال: لأنه أحيا [به] رحم أمه. ويقال: لأنه حي به المجالس. [ويقال غير ذلك بيحيى بأن الله يحييه فيكون حيا عند الله أبدا لأنه شهيد، قال الله تعالى:
ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا بل أحياء
[آل عمران: 169]]. ثم قال تعالى: ﴿ مصدقا بكلمة من الله ﴾ يعني بعيسى عليه السلام وكان يحيى أول من صدق بعيسى - عليهما السلام - وهو ابن ثلاث سنين فشهد له: أنه كلمة الله وروحه، فلما شهد بذلك يحيى عجب بنو إسرائيل لصغره فلما [شهد] سمع زكريا شهادته، فقام إلى عيسى فضمه إليه وهو في خرقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين. وقال بعضهم: صدقه وهو في بطن أمه، كانت أم يحيى عند مريم إذ سجد يحيى بالتحية لعيسى، وكل واحد منهما كان في بطن أمه وذلك قوله: مصدقا بكلمة من الله ﴿ وسيدا ﴾ يعني حكيما ﴿ وحصورا ﴾ يعني لا يأتي النساء وهو قول الكلبي. وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يملك غضبه، والحصور الذي لا يأتي النساء، وقال مقاتل: يعني لا ماء له، يعني أن: يحيى لم يكن له ماء في الصلب، وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن العنة عيب بالرجال والنبي. لا يكن معيبا، ولكن معناه، أنه كان مانعا نفسه من الشهوات، لأن الذي يمنع [نفسه] من الشهوات مع قدرته، كانت فضيلته أكثر من الذي لا قدرة له. ثم قال تعالى: ﴿ ونبيا من الصلحين ﴾ يعني أن يحيى كان نبيا من الصالحين فلما بشره جبريل بذلك: ﴿ قال رب أنى يكون لي غلم ﴾ ، قال ذلك على وجه التعجب لا على وجه الشك، قال لجبريل: رب أي يا سيدي: من أين يكون لي غلام يعني ولد، وهذا قول الكلبي. وقال بعضهم قوله: رب، يعني قال: يا الله على وجه الدعاء يا رب من أين يكون لي ولد، ﴿ وقد بلغني الكبر ﴾ قال القتبي: هذا من المقلوب يعني بلغت الكبر. وقال الكلبي كان يوم بشر ابن تسعين سنة وامرأته قريبة في السن منه، وقال الضحاك: كان ابن مائة وعشرين سنة، فذلك قوله: ﴿ وقد بلغني الكبر ﴾ أي الهرم، ﴿ وامرأتي عاقر ﴾ لا تلد، ﴿ قال كذلك ﴾ قال بعضهم: تم الكلام عند قوله كذلك، يعني، هكذا كما قلت: إنه قد بلغك الكبر، وامرأتك عاقر، ثم قال تعالى: ﴿ الله يفعل ما يشآء ﴾ وقال بعضهم: معناه، قال كذلك، يعني: الله تعالى، هكذا قال: أنه يكون لك ولد، والله يفعل ما يشاء إن شاء أعطاك الولد في حال الصغر وإن شاء في حال الكبر.