تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.42-43

﴿ وإذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل، ﴿ يمريم إن الله اصطفك ﴾ يعني اختارك بالإسلام ﴿ وطهرك ﴾ من الذنوب والفواحش ويقال: من دم الحيض والنفاس، ﴿ واصطفك على نساء العلمين ﴾ يعني بولادة عيسى بغير أب. وقال بعضهم: اصطفاك، أي: فضلك على نساء العالمين يعني عالمي زمانها ﴿ يمريم اقنتي لربك ﴾ يعني أطيعي ويقال: أطيلي القيام في الصلاة وقال مجاهد: قامت في الصلاة حتى تورمت قدماها، ونحل جسمها ثم قال تعالى: ﴿ واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ أي مع المسلمين يعني [مع] قراء بيت المقدس.

3.44-51

قوله: ﴿ ذلك من أنباء الغيب ﴾ يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم، من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره ولم تكن حاضرا، وفي الآية [دليل] نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم [ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك] وصدقه أهل الكتاب بذلك فذلك قوله تعالى ﴿ ذلك من أنباء الغيب ﴾ ﴿ نوحيه إليك وما كنت لديهم ﴾ يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن الوحي، فقال: ﴿ وما كنت لديهم ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم ﴾ يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة ﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ في أمر مريم. ﴿ إذ قالت الملائكة يمريم ﴾ يعني جبريل [عليه السلام] وحده ﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾. قرأ نافع وعاصم وابن عامر " يبشرك " بالتشديد في جميع القرآن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في: " حم، عسق ": ذلك الذي يبشر الله عباده بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله

فبم تبشرون

[الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد فهو من (المباشرة)، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك. وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مريم:

إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا

[مريم: 16]، يعني أرادت أن تغتسل في جانب المشرفة، فلما دخلت المغتسل رأت بشرا كهيئة الإنسان كما قال

فتمثل لها بشرا سويا

[مريم: 17]، فخافت مريم، ثم قالت:

إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا

[مريم: 18]، لأن التقي يخاف الرحمن، فقال لها جبريل

إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا

[مريم: 19]، وذكرها هنا بلفظ آخر ومعناه واحد قال:

إن الله يبشرك بكلمة منه

[آل عمران: 45]، أي بولد بغير أب يصير مخلوقا بكلمة من الله وهو قوله كن فكان ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ ويقال: إنما سمي المسيح لأنه يسيح في الأرض ويقال: [المسيح بمعنى] الماسح، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر. وقال الكلبي: المسيح الملك. ثم قال: ﴿ وجيها ﴾ أي ذا جاه ﴿ في الدنيا ﴾ له [منزلة] ﴿ والآخرة ﴾. وقال مقاتل: فيها تقديم، يعني وجيها في الدنيا [ ﴿ ومن المقربين ﴾ في] الآخرة عند ربه. وقال الكلبي وجيها في الدنيا، يعني في أهل الدنيا بالمنزلة وفي الآخرة من المقربين في جنة عدن. ﴿ ويكلم الناس في المهد وكهلا ﴾ أي في حال صغره وهو [طفل] في حجر أمه طفلا، وكهلا، يعني إذا اجتمع عقله وكبر. فإن قيل: ما معنى قوله كهلا؟ والكلام من الكهل لا يكون عجبا، قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة. ويقال: كهلا بعد نزوله من السماء وهو قول الكلبي. ﴿ ومن الصلحين ﴾ مع آبائه في الجنة ﴿ قالت ﴾ مريم ﴿ رب أنى يكون لي ولد ﴾ يعني من أين يكون لي ولد ﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ وهو كناية عن الجماع ف ﴿ قال ﴾ جبريل ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا كما قلت أنه لم يمسسك بشر، ولكن ﴿ الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا ﴾ يعني إذا أراد أن يخلق خلقا ﴿ فإنما يقول له كن فيكون ﴾ فنفخ جبريل في جيبها، يعني في نفسها.

قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم - عليه السلام - وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولدا وإن الله تعالى جعل الماءين جميعا في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: ﴿ إذا قضى أمرا ﴾ ، يعني إذا أراد أن يخلق خلقا سبحانه، ﴿ فإنما يقول له: كن فيكون ﴾ بغير أب. ثم قال تعالى: ﴿ ويعلمه الكتب ﴾. قرأ نافع وعاصم ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه، أن الله يقول ونعلمه ﴿ الكتب ﴾ ، يعني كتب الأنبياء، [وهذا] قول الكلبي. وقال مقاتل: يعني الخط، والكتابة، فعلمه الله بالوحي والإلهام ﴿ والحكمة ﴾ يعني الفقه ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني يحفظ التوراة [عن] ظهر قلبه وقال بعضهم وهو عالم بالتوراة. وقال بعضهم: ألهمه الله بعدما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة. ثم قال: ﴿ ورسولا إلى بني إسرءيل ﴾ نصب رسولا لمعنيين: أحدهما: يجعله رسولا إلى بني إسرائيل. والثاني ويكلم الناس ورسولا. أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: ﴿ أني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾. [وذكر الزجاج: فالمعنى - والله أعلم - ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم بآية من ربكم]. ثم أخبر عن أداء رسالته بعدما أوحى إليه في حال الكبر حيث قال لقومه: [أني] قد جئتكم بآية [من ربكم]. يعني علامة لنبوتي. ثم بين العلامة فقال: ﴿ أني أخلق [أي أقدر] لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ﴾. ويقال: إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت، فقالوا له: اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك فأخذ طينا وجعل منه خفاشا، ونفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض فكأن تسوية الطين والنفخ من عيسى - عليه السلام - والخلق من الله عز وجل كما أن النفخ من جبريل عليه السلام والخلق من الله عز وجل.

بحر العلوم · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٦٩