تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليعمل عملا صلحا

[الكهف: 110] يعني لتكن منكم أمة، قال الكلبي: يعني جماعة، وقال مقاتل: يعني عصبة. وقال الزجاج: ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير " ومن " ها هنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس وهي مؤكدة كقوله تعالى:

فاجتنبوا الرجس من الأوثن

[الحج: 30] وقوله: ﴿ يدعون إلى الخير ﴾ يعني إلى الإسلام ويقال: إلى جميع الخيرات ﴿ ويأمرون بالمعروف ﴾ قال الكلبي: يعني باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ يعني الجبت والطاغوت. ويقال: المنكر: يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة، ويقال: ما لا يصلح في العقل. وروي عن سفيان الثوري أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلا يخرج عن الاختلاف (أي اختلاف العلماء) ويقال: إنما أمر بعض الناس بقوله: ﴿ ولتكن منكم أمة ﴾ ، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم.

ويقال: إن الأمراء يجب عليهم الأمر والنهي باليد والعلماء باللسان والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام:

" إذا رأى أحد منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " بحسب امرىء إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره ". وروي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: " اللهم إن هذا منكر " فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه. ثم قال تعالى: ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم الناجون، ويقال: فازوا بالنعيم [ثم قال]: ﴿ ولا تكونوا ﴾ في الاختلاف ﴿ كالذين تفرقوا ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿ واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت ﴾ فافترقت اليهود فرقا [والنصارى فرقا]، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. ثم خوفهم فقال: ﴿ وأولئك لهم عذاب عظيم ﴾ يعني دائم لا يرفع عنهم أبدا، يعني الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، أي العلامات في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وبيان الطريق. ثم بين منازل الذين تفرقوا والذين لم يتفرقوا فقال تعالى ﴿ يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه ﴾ يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم ويقال إن ذلك عند قوله تعالى:

وامتازوا اليوم أيها المجرمون

[يس: 59] تكون وجوه المؤمنين مبيضة ووجوه (الكفار) مسودة، ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه، فرأى في كتابه (حسناته) استبشر، وابيض وجهه، وإذا قرأ المنافق والكافر كتابه فرأى (فيه سيئاته) اسود وجهه. ويقال: إن ذلك عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابيض وجهه وإذا رجحت سيئاته اسود وجهه ويقال إذا كان يوم القيامة، يؤمر كل قوم بأن يجتمعوا إلى معبودهم، فإذا انتهوا إليه حزنوا واسودت وجوههم، فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون فيقول الله تعالى للمؤمنين: " من ربكم "؟ فيقولون: ربنا الله - عز وجل - فيقول لهم أتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون سبحانه إذا عرفنا عرفناه، فيرونه كما شاء الله، فيخر المؤمنون سجدا لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضا، وبقي المنافقون وأهل الكتاب، لا يقدرون على السجود، فحزنوا واسودت وجوههم، فذلك قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾. ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم ﴾ يعني، يقال لهم: أكفرتم؟ ولكن حذف القول، لأن في الكلام دليلا عليه " بعد إيمانكم " يعني يوم الميثاق قالوا: بلى، يعني المرتدين والمنافقين. ويقال: هذا لليهود، وكانوا مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، وقال أبو العالية: هذا للمنافقين خاصة، يقول: أكفرتم في السر بعد (إيمانكم أي) مع إقراركم في العلانية ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن.

بحر العلوم · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٩٠