سبيله} (الأنعام: 153) ، وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة: 6-7) ، وقوله:
﴿اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم﴾ (النحل: 121) ، وقوله: {ويهديك
صراطا مستقيما} (الفتح: 2) ، وقوله: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من
الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى
الظلمات} (البقرة: 257) ، وهذا يطابق ما في كتاب الله من أن الاختلاف
المطلق كله مذموم، بخلاف المقيد الذي قيل فيه: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن
ومنهم من كفر} (البقرة: 253) ، فهذا قد بين أنه اختلاف بين أهل الحق
والباطل كما قال: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ (الحج: 19) ، وقد
ثبت في الصحيح أنها نزلت في المقتتلين يوم بدر في حمزة عم رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وعلي وعبيدة بن الحرث ابني عميه والمشركين الذي
بارزوهم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر فيها مقالات الناس عملا مجردا مثل
كتاب المقالات لأبي الحسن الأشعري، وكتاب الملل والنحل للشهرستاني ولأبي
عيسى الوراق أو مع انتصار لبعض الأقوال كسائر ما صنفه أهل الكلام على
اختلاف طبقاتهم، فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف المذموم، وأما
الحق الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، وكان عليه سلف الأمة، فلا يوجد
فيها في جميع مسائل الاختلاف، بل يذكر أحدهم في المسألة عدة أقوال، والقول
الذي جاء به الكتاب والسنة لا يذكرونه، وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه،
بل لا يعرفونه، ولهذا كان السلف والأئمة يذمون هذا الكلام، ولهذا يوجد الحاذق
منهم المنصف الذي غرضه الحق في آخر عمره يصرح بالحيرة والشك [1] إذا لم
يجد في الاختلافات التي نظر فيها، وناظر ما هو حق محض، وكثير منهم يترك
الجميع ويرجع إلى دين العامة الذي عليه العجائز والأعراب، كما قال أبو المعالي
وقت السياق: لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في
الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها
أنا ذا أموت على عقيدة أمي.
وكذلك أبو حامد في آخر عمره استقر أمره على الوقف والحيرة بعد أن نظر فيما
كان عنده من طرق النظار أهل الكلام والفلسفة، وسلك ما تيسر له من طرق العبادة
والرياضة والزهد، وفي آخر عمره اشتغل بالحديث بالبخاري ومسلم، وكذلك
الشهرستاني مع أنه كان من أخبر هؤلاء المتكلمين بالمقالات والاختلاف، وصنف
فيها كتابه المعروف بنهاية الإقدام في علم الكلام وقال: قد أشار علي من إشارته غنم،
وطاعته حتم، أن أذكر له من مشكلات الأصول، ما أشكل على ذوي العقول، ولعله
استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم.
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
فأخبر أنه لم يجد إلا سائرا شاكا مرتابا، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطؤه،
فالأول في الجهل البسيط {كظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد
يراها} (النور: 40) ، وهذا دخل في الجهل المركب ثم تبين له أنه جهل فندم،
ولهذا تجده في المسائل يذكر أقوال الفرق وحججها، ولا يكاد يرجح شيئا للحيرة،
وكذلك الآمدي الغالب عليه الوقف في الحيرة، وأما الرازي فهو في الكتاب الواحد،
بل في الموضع منه ينصر قولا، وفي موضع آخر منه، أو من كتاب آخر ينصر
نقيضه، ولهذا استقر أمره على الحيرة والشك، ولهذا لما ذكر أن أكمل العلوم العلم
بالله وبصفاته وأفعاله ذكر على أن كلا منها إشكال [2] وقد ذكرت كلامه وبينت ما
أشكل عليه وعلى هؤلاء في مواضع، فإن الله قد أرسل رسله بالحق، وخلق عباده
على الفطرة، فمن كمل فطرته بما أرسل الله به رسله وجد الهدى واليقين الذي لا
ريب فيه ولم يتناقض، ولكن هؤلاء أفسدوا فطرتهم العقلية وشرعتهم السمعية بما