البعيد للآيات والأحاديث وطامة الإذعان لكل ما يأمر به السالكين شيوخهم، وإن كان
منكرا، وعدم الإنكار عليهم في شيء، وكانت الباطنية تقصد بهذا التعاليم إفساد دين
الإسلام وإبطاله، وإزالة ملكه بالدسائس التي وضعها عبد الله بن سبأ اليهودي
وجمعيات المجوس السرية التي بثت في المسلمين دعوة الغلو في التشيع لآل البيت،
والطعن في أعاظم الصحابة؛ لإفساد دين العرب وتقويض دعائم ملكهم بالشقاق
الداخلي؛ لتتمكن تلك الجمعيات بذلك من إعادة ملك المجوس وسلطان دينهم اللذين
أزالهما العرب بالإسلام، ولولا هذان الأصلان - التأويل والطاعة المطلقة - لما
راجت الضلالات والبدع في هذه الطائفة؛ لأن أصل طريقتها تزكية النفس بالعلم
والعمل الشرعيين مع الصدق والإخلاص والأخذ بالعزائم ومحاسبة النفس حتى على
الخواطر، ومن المأثور المشهور عن أئمة الصوفية قولهم: التصوف أخلاق، فمن
زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في التصوف. ومن قواعد الإسلام المنصوصة
المعلومة منه بالضرورة أنه (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف) وهذا
اللفظ من حديث مرفوع في الصحيحين وغيرهما عن علي - كرم الله وجهه -، وفوقه
قول الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في آية المبايعة: {ولا يعصينك
في معروف} (الممتحنة: 12) .
ثم بينا هنالك أنه لا سبيل إلى تصفية التصوف من البدع إلا بتحكيم الكتاب
والسنة وسيرة السلف الصالح فيه قبولا وردا بعد بيان أن الضلالات والبدع المتغلغلة
في كتب الصوفية قسمان - ما أخذه الباطنية من صوفية البراهمة واليونان ودسوه
في التصوف الإسلامي، وليس له أصل في الكتاب ولا في السنة إلا ما زعموه من
التأويلات المخالفة للغة والشرع - وما أحدثه بعض شيوخ الطريقة من الأوراد
والشعائر الدينية المخالفة للسنة في ذاتها وأصلها، أو في صفتها وطريقة أدائها،
حتى إن بعض كبار الفقهاء والمتكلمين روجوا بعض هذه البدع والآراء بالتأويلات،
والتوسع فيما جوزه بعضهم من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ولم
يراعوا ما اشترطه المحققون في هذا من الشروط - فترى مثل الغزالي من أكبر
أئمة علماء الكلام والفقه يرغب في بعض العبادات المبتدعة مستدلا عليها بهذه
الأحاديث الواهية أو الموضوعة دع ما يتعلق منها بالاعتقاد.
مثال ذلك صلاة الرغائب في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان ذكرهما
الغزالي في الإحياء مستدلا عليهما بما ورد فيهما وهو موضوع، وقد قال فيهما
النووي في منهاجه: وصلاة رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان. ولم يكن
النووي أعلم بفقه الشافعي من الغزالي، بل قال بعض العلماء: إن كتب الشيخين
الرافعي والنووي مأخوذة من كتبه التي حرر بها المذهب كما قال فيه وفيها بعضهم:
حرر المذهب حبر ... أحسن الله خلاصه
ببسيط ووسيط ... ووجيز وخلاصه
ولكن النووي كان أعلم منه بالسنة، فإن الغزالي لم يتوسع في علم السنة إلا
في آخر عمره (ونعمت الخاتمة التي وفقه الله لها بحسن نيته وإخلاصه له الدين)
ولعله لم يؤلف بعد ذلك شيئا.
فهذا مثال ما أخذوا فيه بالموضوع، ومما أخذوا فيه بالضعيف الواهي - وهو
أكثر - دعاء الوضوء، قال في المنهاج: وحذفت دعاء الوضوء؛ إذ لا أصل له.
وهو يعني الدعاء الذي ذكره الرافعي تبعا للغزالي، واعتذر الشمس الرملي شارح
المنهاج عنه بأنه يعني أنه ليس له أصل صحيح، أو لم يكن مستحضرا لما ورد فيه
من حديث ضعيف ورد من طرق، والضعيف يعمل به في الفضائل ما لم يشتد
ضعفه فيما له أصل صحيح كلي، ولكن لا يستدل به على السنية، هذا ما أذكره
عنه بالمعنى، وذكر أن والده الشهاب الرملي اعتمد دعاء الوضوء، وأقول: إن
النووي نفى ورود شيء من السنة في دعاء الوضوء في مواضع من كتبه، ومنها
الأذكار، وتعقبه صاحب المهمات فقال: ليس كذلك، بل روي من طرق منها عن
أنس رواه ابن حبان في ترجمة عباد بن صهيب، وقد قال أبو داود: إنه صدوق