وكلامه في تفسيره المشهور كثير التعارض والتناقض، وكثيرا مما نتعقبه في
تفسيرنا، وإننا ننقل هنا من كلامه ما هو حجة عليه فيما ذكره من تفضيل ذكر الله
وندائه بضمير الغيبة، وهو قوله في سياق رد قول جهم في مسألة إطلاق مثل كلمة
شيء على الله تعالى من تفسير قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ (الأعراف: 180) قال:
الحق في هذا الباب التفصيل، وهو أنا نقول: ما المراد من قولك أنه تعالى
شيء وذات وحقيقة؟ إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود
وشيء، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى
بهذه الألفاظ أم لا؟ فنقول: لا يجوز لأنا رأينا السلف يقولون: يا الله يا رحمن
يا رحيم - إلى سائر الأسماء الشريفة - وما رأينا ولا سمعنا أن أحدا يقول: يا ذات
يا حقيقة يا مفهوم يا معلوم، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض النداء
والدعاء واجبا لله تعالى، والله أعلم اه.
ثم قال: المسألة الرابعة، قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ (الأعراف: 180) يدل على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة، وأنه يجب على
الإنسان أن يدعو الله بها، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية،
ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال يا سخي، ولا أن
يقال: يا عاقل يا طبيب يا فقيه، انتهى بنصه، ونقول: ومثله: يا هو يا هو،
فإنه لم يقله أحد من السلف الصالح ولا هو جائز في لغة الدين وأولى منه بالإنكار
(أه) فإنه ليس من هذه اللغة، وإنما هو من اللغة السريانية كما قيل.
يقول المعترض على سائر العلماء:
5- قد تبين مما تقدم أن نقل المعترض على فتوى شيخ الأزهر عن صحيح
مسلم ومستدرك الحاكم وعن الفخر الرازي كذب، وبقي ما نقله عن حاشية الحفني
على الجامع الصغير، وشرح العزيزي له، وعن حاشية الشيخ الأمير على متن
غرامي صحيح وحاشية الباجوري للجوهرة، فنقول فيه أولا: إن ما نقله عن
الأولين هو في شرح حديث الأنين في المرض، وقد علمت أنه لا يصح، وفي
شرح حديث: (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى) هكذا
ذكر المعترض ولم يذكر تتمة الحديث وهي (دعوة يونس بن متى) ، وهذه التتمة
تنفي ما يزعمه المعترض، وهذا الحديث عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى
ابن جرير عن سعد وبجانبه علامة الضعف، وأورد قبله حديث (اسم الله الأعظم
الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن، في البقرة وآل عمران وطه) ،
وعزاه إلى ابن ماجه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة وعلم عليه السيوطي في
جامعه بالصحة، وذكر غيره أن في سنده هشام بن عمار، وهو مختلف فيه على أنه
نص في خلاف ما يريد المعترض إثباته.
أما ما ذكره العزيزي في شرحه للجامع الصغير، فقد نقل عن العلقمي عشرين
قولا في الاسم الأعظم، أولها إنكاره، وثانيها أنه مما استأثر الله بعلمه، والعشرون
ألم، ويعلم باقيها مما أوردناه عن الحافظ وليس فيها أن (أه) منها وتبعه الحفني في
ذلك.
وأما كلامهم في حديث الأنين فقد قال المناوي في شرحه له عند قوله: (فإن
الأنين من أسماء الله تعالى) ما نصه: أي لفظ (آه) من أسماء الله تعالى، لكن
هذا تتداوله الصوفية ويذكرون له أسرارا، ولم يرد به توقيف من حيث الظاهر.
وأما الحفني فقد شرح الحديث في الجزء الثاني من حاشيته على الجامع
الصغير (ص 27 من الطبعة الأميرية) فقال عند قوله: (دعوه يئن) أي يأتي
بقوله (آه) وقال عند قوله: (من أسماء الله) أي من أثر بعض أسماء الله كالضار
والقهار، فإذا تجلى تعالى على عبده بهذا الاسم حصل له الضر، وإلا فآه لم يرد أنه
من أسمائه تعالى اه.
وأما الشيخ الأمير فنستغني بما ذكره في حاشيته على عبد السلام شارح
الجوهرة، فقد قال عند قوله: (الأنين) : ينبغي أن يقال (آه) ؛ لأنه ورد اسما