تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أليس المسكر المحرم قطعا هو خمر العنب وما عداه فإنما يحرم منه القدر المسكر؟

فأي حرج إذا في شرب ما عدا هذا القدر من سائر الأشربة ولا سيما ما لا يسكر إلا

كثيره كالبيرة؟ فقلنا له: تلك شبهة لبعض الفقهاء في النقوع الذي كانوا يسمونه نبيذا،

والحق أن كل مسكر خمر يحرم قليله وكثيره كما ثبت في النص المؤيد بالقياس

والخبر.

وإذ كنت أكتب في مثل هذا للاعتبار به، وليكون تاريخا تعرف بمثله أسباب

التطور الاجتماعي في البلاد، فإنني أذكر واقعة في هذا الباب هي أكبر ما كان

يتحدث به الناس في مدينتنا (طرابلس الشام) ، ويفخرون به، وهي بين مدحت

باشا الوزير الشهير ودرويش أفندي الشنبور.

كان درويش أفندي هذا رجل طرابلس الكبير، بل رجل سورية الممتاز في

عصره بالعلم بالقوانين وحسن الإدارة والتصرف في حل المشكلات، حتى إن أمور

إدارة لواء طرابلس كانت بيده يتصرف فيها كما يشاء، وهو عضو في مجلس

الإدارة، رأيه فيه بحكم القانون كرأي غيره من الأعضاء، فكان أصحاب الحاجات

يولون وجوههم شطر داره دون أمثاله من الأعضاء، بل دون الرؤساء من

المتصرف التركي المولى من نظارة الداخلية إلى من دونه من رؤساء الإدارة، وكذا

رؤساء الجند فيما يقيدون فيه بالإدارة كأخذ العسكر بنظام القرعة المعروف، فلم

يكونوا يستطيعون أخذ أحد إلا برأيه، لذلك كان له حساد كثيرون، فلما جاء مدحت

باشا واليا على سورية كثر السعاة بدرويش أفندي الشنبور لديه الذين يرمونه

بالاستبداد بأعمال الحكومة، وكونه لم يترك لأحد من رجال الدولة اسما ولا عملا في

لواء طرابلس، وأنه هو نفسه لا يمكنه أن يكون له اسم سمي، ولا قدر على ذلك

اللواء إلا بإخراجه من مجلس الإدارة وجعله حلس بيته، وقد أثرت هذه السعاية في

نفسه، فلما جاء طرابس في دورة التفتيش المعتادة كان استقباله لدرويش أفندي

استقبال المرتاب المختبر فلما سمع كلامه أحب الخلوة به، فسمع منه من الأنباء

والآراء ما أكبره في عينه، وأحله في أعلى مقام من الثقة به، والكلام مظهر العلم

والعقل والرأي، ﴿فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ (يوسف: 54) ولم

يكن يستطيع مفارقته إلا وقت النوم، وكان الوزير مبتلى بشرب الخمر كأكثر رجال

الدولة، وكان درويش أفندي لا يشربها كسائر وجهاء طرابلس، ولا سيما أصحاب

الزي العلمي أمثاله، فاجتهد مدحت باشا في حمله على الشرب لتطيب له معاشرته

ولا يرى نفسه صغيرا أو حقيرا في عينه وعين نفسه بارتكابه لهذا المنكر مع من

ينكره في نفسه لتحريمه، وقد كان مدحت باشا مسلما محترما لدينه كما يقال، ولكن

السكر بلاء قلما يستطيع تركه من ابتلي به، عرض لدرويش أفندي أولا فنبا له

وأعرض، كأنه لم يفهم مراده، فكاد له مكيدة سلم منها بحسن بادرته، وقوة إرادته،

ذلك أنهما كانا في متنزه من متنزهات ضواحي المدينة اسمه (بركة البداوي)

فطلب الوزير الخمرة، فأخذ لنفسه كأسا وناول درويش أفندي كأسا أخرى وقال له:

نشرب على اسم مولانا السلطان الأعظم. فأخذ الكأس درويش أفندي وقال على

البداهة: كأس من يد أفندينا مدحت باشا باسم مولانا الأعظم أمير المؤمنين لا ينبغي

أن تصب في الجوف وتخالط القذر بل مكانها الرأس، وصب الكأس على عمامته

البيضاء، فأعجب مدحت باشا بهذه البداهة والكياسة، وزاده هذا الثبات كرامة عنده

ومكانة في نفسه.

هذه الحالة التي كانت عليها طرابلس إلى عهد طلبي للعلم فيها وهجرتي منها

هي التي ضاعفت آلامي لما رأيت هذه المرة ما رأيت من سوء حالها، وسريان

عدوى المجاهرة بالتهتك فيها، وقد بدأ ذلك فيها في أوائل العهد بالحكومة الدستورية

الاتحادية، ثم كان لمفاسد الحرب ثم للاحتلال الأجنبي تأثير بعد تأثير في استشراء

فساده كما بيناه في النبذة الثالثة من هذه الرحلة (ج9 م21) حتى إن طرابلس

صارت دون بيروت ودمشق في الحالة العلمية والأدبية الإسلامية، فقد خلت من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٧٢