تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على اتباع تقاليدهما على العمياء، بل نأخذ منهما ما طاب من مدنيتهما الحديثة،

ونترك ما هو مخالف لمدنيتنا وعنعناتنا التاريخية.

سؤال: نشرنا في المفيد برقية منقولة عن جريدة الأهرام المصرية واردة من

جلالة الملك يحدد بها دائرة توكيل سموكم، فما ترون فيها؟

جواب: إن الوكيل يدافع في قضيته على قدر قوة ما بيده من الحجج، فإن

كانت مستنداته قوية وكان الحاكم عادلا، فلا شك بأن الوكيل إذا خسر القضية يكون

مسؤولا، وأنا في هذه الحالة لا فرق بيني وبين وكلاء الدعاوى أمام المحاكم،

فمدافعتي تكون على قدر قوتي المادية والمعنوية، وعلى كل فإنني أؤمل من رجال

الحكومات والأمم المتمدنة أن تنظر إلينا بعين الحب ولا تهضم لنا حقا كيما نتمكن

من خدمة المدنية الحاضرة كما خدم أجدادنا المدنية الغابرة.

سؤال: كنا قرأنا في جريدة الشرق التي كانت تصدر في دمشق إبان الحرب

نص معاهدة تسمى (معاهدة سايكس بيكو) نشرها جمال باشا زاعما أن البلشفيك

ظفروا بها بين الأوراق الرسمية في بتروغراد عندما استولوا عليها، ثم انقطعت

أخبار هذه المعاهدة حتى عادت صحف أوربا منذ بضعة أشهر تردد صداها، وقيل:

إن جلاء الجنود الإنكليزية عن سورية منذ مدة كان تنفيذا لنص تلك المعاهدة، فهل

ذلك حقيقي؟ وهل سمعتم سموكم بها في الأماكن الرسمية أو اطلعتم عليها في أثناء

الحرب أو بعدها؟

جواب: حينما نشر جمال بك تلك المعاهدة أثناء الحرب اطلع عليها والدي في

العدد 101 من جريدة المستقبل، فسأل جلالته الحكومة البريطانية بواسطة معتمده

بمصر عن تلك المعاهدة، فأجابته الحكومة الانكليزية بكتاب هذا نصه:

إن البلشفيك لم يجدوا في وزارة الخارجية في بتروغراد معاهدة معقودة، بل

محاورات ومحادثات مؤقتة بين إنكلترا وفرنسا وروسيا في أوائل الحرب لمنع

المصاعب بين الدول أثناء مواصلة القتال ضد الترك، وذلك قبل النهضة العربية،

وأن جمال باشا إما من الجهل أو الخبث غير في مقصدها الأساسي، وأهمل شروطها

القاضية بضرورة رضى الأهالي وحماية مصالحهم، وقد تجاهل ما وقع بعد ذلك من

أن قيام الحركة ونجاحها الباهر وانسحاب روسيا قد أوجد حالة أخرى تختلف عما

كانت عليه بالكلية منذ أمد مضى.

قال سمو الأمير: فيظهر لكم من هذا الجواب أن تلك المعاهدة لم تكن معترفا

بها اعترافا رسميا لدى والدي والعرب، وإذا فرض وجودها فإنهم قد أنكروها بتاتا

بحيث أصبح كأنها لم تكن وتصريحات الحكومات بإلغاء جميع المعاهدات السرية

تجعلنا لا نعترف بتلك المعاهدة اه.

(المنار)

هذا ما صرح به الأمير فيصل في دمشق قبل نصبه ملكا على سورية فيها

بزهاء ثلاثة أسابيع، فهو إلى ذلك الوقت لم يكن مطلعا على شيء غير ما ذكر فيه

مما دار بين والده وبريطانية العظمى من الاتفاق الذي حمله على الخروج على

الدولة العثمانية ومحاربتها مع الحلفاء، وكان هو القائد لجيش والده في هذه الحرب،

بل كان صرح لي قبل التصريح لصاحب جريدة المفيد بأنه لم يطلع على شيء قط،

وأنه حارب بأمر والده اعتمادا على أن بيده شيئا وظاهر أن كلا من الروايتين

مباين لمصلحة العرب ومناف لحريتهم واستقلالهم، فإن تشكيل بريطانيا العظمى

لحكومة عربية تدخل فيها الحجاز بالشروط المذكورة التي منها حفظها وصيانتها في

داخليتها وخارجيتها يجعلها حكومة تابعة للإمبراطورية الإنكليزية، ويخول لجيوش

هذه الإمبراطورية أن تقيم حيث شاءت منها بحجة منع الثورات والفتن الداخلية، دع

إحاطتها بها بحرا وبرا كما هو معروف.

وإننا كنا قد اطلعنا على النص العربي للمعاهدة المشار إليها في هذه الوثائق،

وهي بين السير هنري مكماهون بالنيابة عن حكومته وبين شريف مكة وأميرها سنة

1915، وقد رأينا أن كلا من الروايتين الحجازية والإنجليزية اللتين صرح بهما

الأمير فيصل قد ذكرت بعض ما جاء في تلك المعاهدة بالمعنى على ما نتذكر كله، وقد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١١٣